للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وطلب ابنُ العَبَّادي الجلوسَ بجامع المنصور، فقيل له: إنَّ أهل الجانب الغَرْبي لا يمكِّنون من الجلوس فيه إلا الحنابلة. فلم يقبل، وجَمَعَ أربابَ الدَّولة، ومضوا معه، فلما صَعِدَ المنبر جاءه الآجُرُّ، وأخذته الزَّعقات، ونَفَر النَّاس وأُخذت عمائمهم، ولولا أربابُ الدَّولة جذبوا السُّيوف وأحدقوا به لَقُتِلَ.

وفيها نادى السُّلْطان بعِمارة قُرى العراق، وكان أصحابه قد أخربوها، فكتب إليه رجل: إنَّ الجِمال إذا حُرث عليها لإثارة الأرض وإصلاحها، طَمَسَتْ بأَخْفافها ما تحرثه. فقال: عليَّ بكاتبِ الورقة. فَحَضَر، فقال: ما معنى هذا؟ فقال: أنتَ تأمر [بعمارة النواحي، وإصلاح ما أفسده الظلمة [(١)، وأصحابُك يخرِّبون المساكن، وينهبون المال، ويهتِكُون الحريم. فغَضِبَ غَضَبًا شديدًا، ونادى في عسكره: مَنْ مَدَّ يده إلى ما ليس له قَطَعْتُها كائنًا مَنْ كان. فَعَمَرَتِ البلاد، واستقامت الأحوال.

وفيها في المحرَّم عاد نورُ الدِّين إلى حصار دمشق، [فجاء، (٢)، فنزل عيون الفاسريا (٣)، وامتدَّت عساكره إلى ما بين عذراء وضمير، وأرسل إلى مجير الدِّين يقول: قد كنتُ اتفقت معكم وحلفتُ لكم، فالآن فقد صَحَّ عندي أنكم ظاهرتم الفرنج، وما قصدتُ إلا الجهاد، فإنْ رجعتم عن الفرنج وأعطيتموني عساكركم لأجاهد في سبيل الله تعالى رجعتُ عنكم. فلم يردُّوا عليه جوابًا، فرحل [نور الدين، فجاء] (٢) ونزل مشهد القدم، وأحدقت عساكره بالبلد وضايقه، ولم يزحف خوفًا من سفك دماءِ المُسْلمين، وتواترت الأخبار بمجيء الفرنج لنُصرة مجير الدِّين، فضاقت صدور العلماء والزُّهاد [من هذه الحالة] (٢)، ولم تزلِ المناوشات تعمل في كل يوم إلى ثالث عشرة صفر (٤)، فرحل إلى داريَّا مستعدًّا للقاء الفرنج، وكان عسكره كل يوم يزداد قوةً وعسكرُ دمشقَ يَضْعُف، ومع هذا ما كان يأُذَنُ لأحدٍ في قتال المُسْلمين، وما خَرَجَ عسكر دمشق إلا وعادوا [مفلولين] (٢) مكسورين، وقَرُبَ الفرنج من داريا، فأشار على نور الدين خواصُّه بالرَّحيل، وقالوا: تبقى بين الفرنج و [بين] (٢) عسكر دمشق! فارتفع إلى الزَّبدانيِ، ووصل الفرنج [إلى] (٢) داريا في جَمْعٍ قليل، وخَرَجَ مجيرُ الدِّين والمؤَيَّد إليهم،


(١) في (ع): أنت تأمر بالعمارة، والمثبت من (م) و (ش).
(٢) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(٣) عيون الفاسريا تنبع من سفح الجبل، شمالي دومة، انظر "غوطة دمشق": ٨٩.
(٤) في (م) و (ش): إلى ثالث وعشرين صفر. قلت: وكلا التاريخين وردا عن أبي يعلى في "ذيل تاريخ دمشق"، الأول في النسخة التي اعتمد عليها أبو شامة في "كتاب الروضتين": ١/ ٢٦٥، والثاني في النسخة المطبوعة منه: ٤٨٥.