فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن عَجَبٍ أَنِّي إذا لاحَ بارِقٌ ... بأرِضكُمُ اسْتَمْطَرْتُ أجفانيَ الوَدْقا

وما خِلْتُ هذا البَرْقَ إلا ابتسامةً ... لسُعدى أضاءتْ عند إيماضها الأُفْقا

تمنَّيتُ لو يُغني التَّمنِّي لقاءَها ... وَوَقْعُ رماحِ الخَطِّ مِنْ دون أن تَلْقى

لقد صَدَقُوا إنَّ الشَّقيَّ أخو الهوى ... ولكنَّ مَنْ يهوى سعادَ هو الأَشْقى

وقول على ما بي من السُّقْمِ والضَّنا ... أيا حبَّذا سُعدى وما أَطْيَبَ العِشْقا

خليليَّ هل أَيَّامُنا بسُوَيقيةٍ ... رواجعُ أَمْ طارتْ بأيَّامنا العَنْقا

فيا عِيشَةً خضراءَ لو بقيتْ لنا ... ولا خَيرَ في عَيشٍ إذا هو لا يَبْقى

إذا الرِّيحُ من شَرْقيِّ مَرْوٍ تنفَّسَتْ ... فيا بَرْدَ صَدْرِي حين أَنْشِقُها نَشْقا

وما تُطِيبني أيكةٌ غير أَنَّني ... أُساعد في شَجْو الحمامِ بها الوَرْقا

السنة التاسعة والثَّلاثون وخمس مئة

فيها فَتَحَ زَنْكي الرُّها.

كان في قلبه منها أمرٌ عظيم؛ لكونها وسط بلاد الإسلام، ومَعْقِل منبع الكُفَّار، فطرح العيون على جوسلين صاحبِها، فاتَّفق أَنَّه خَرَجَ منها بعساكره نحو حِصن منصور، فحال زَنْكي بينه وبينها، وحَصَرها وضربها بالنَّار، وبالمجانيق، وحشد التركمان والنَّقابين الحلبيين وغيرهم، ونُقِبَ سورها، وعُلِّق بالأخشاب، وضربوا فيه النَّار، فوقعت منه قطعةٌ، فدخلها عَنْوَةً بالسَّيف، فقتل وأسر، وأخذ منها أموالًا عظيمة، وكان بها من أسارى المسلمين ألف وخمس مئة، فَخُلِّصوا، وقيل: كانوا خمس مئة، ثم رَمَّ السُّور (1)، وكتب للنَّصارى أمانًا، وأحسن إلى الرَّعية، وأراد أن يبني بها جامعًا، فقال له أصحابه: اجعل الكنيسةَ جامعًا. فقال: نَعَمْ. وشَرَعَ في إصلاح الكنيسة، وهيأها، ولم يبق إلا موضع المحراب، فجاء ومعه أرباب دولته والصُّناع، واتفقوا على موضع المحراب اليوم، فحفروا أساسًا عميقًا، وإذا بصخرة ظهرت مكتوب عليها سطران بالسريانية، فجاء شيخ يهوديٌّ، فحلَّها، ونقلها إلى العربية، وهذا ما فيها: [من السريع]


(1) رَمَّ السور: أصلحه. "معجم متن اللغة": 2/ 653.

<<  <  ج: ص:  >  >>