للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ (١) بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكَانَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحَابهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، ويَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (٢).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (٣). وَكَانَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَتَأَوَّلُ في العفو ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أذِنَ اللَّهُ فيهم (٤).

وَأَخْرَجَ الشَّيْخَان في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَرَكِبَ حِمَارًا،


(١) شَرِقَ: أي غَصَّ به، وهو مجازٌ فيما نالَ من أمرِ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وحَلّ به، حتى كأنه شيءٌ لم يقدر على إسَاغَتِهِ وابتلاعِهِ فغَصَّ به. انظر النهاية (٢/ ٤١٨).
(٢) سورة آل عمران آية (١٨٦).
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية (٢/ ١٨٠): فَكَانَ مَنْ قام بِحَقٍّ، أو أمرَ بمعروف، أو نهى عن منكم، فلابد أن يُؤْذَى، فما له دواءٌ إلا الصَّبر في اللَّه، والاستِعَانةُ باللَّه، والرُّجوع إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
(٣) سورة البقرة آية (١٠٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} - رقم الحديث (٤٥٦٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في دعاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وصبره على أذى المنافقين - رقم الحديث (١٧٩٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>