للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومثال التعمق في ذلك، مثال من ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن، مقتصراً على ذلك، وذلك غرور، لأن المقصود من الحروف المعاني، وإنما الحروف ظروف وأدوات، ومن احتاج إلى شرب السكنجبين لإزالة الصفراء، فضيع عمره في تحسين القدح الذي يشرب فيه، فهو مغرور، والسعيد من أخذ من كل شئ من هذا حاجته المهمة لا غير، وتجاوز إلى العمل، واجتهد فيه وفى تصفيته من الشوائب، فهذا هو المقصود.

وفرقة أخرى عظم غرورهم، فوضعوا الحيل في دفع الحقوق، وظنوا أن ذلك ينفعهم، بل ذلك غرور، فان الإنسان إذا ألجأ زوجته إلى أن تبرئه من حقها لم يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى.

وكذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول لزوجته، واتهابه مالها لإسقاط الزكاة، ونحو ذلك من أنواع الحيل.

[الصنف الثاني: أرباب التعبد والعمل، وهم فرق]

فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالنوافل الفضائل، وربما تعمقوا في استعمال الماء حتى خرجوا إلى الوسوسة في الوضوء، فترى أحدهم لا يرضى بالماء المحكوم له بالطهارة شرعاً، بل يقدر الاحتمالات البعيدة في التنجس، ولا يقدر ذلك في مطعمه، فلو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى المطعم، لكان أشبه بسير السلف، فإن عمر رضى الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة، وكان مع هذا يدع أنواعاً من الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام.

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ من مزادة مشركة (١).

ثم منهم من يخرج إلى الإسراف في الماء، ويطول به الأمر، حتى تضيع الصلاة ويخرج وقتها.

ومنهم من غلبت عليه الوسوسة في تكبيرة الإحرام في الصلاة، حتى ربما فاتته ركعة مع الإمام.


(١) الخبر مطولاً في البخاري ١/ ٣٧٩، ٣٨٤ من حديث عمران، وفيه أن أحد الصحابة كانت قد أصابته جنابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إناء من ماء أخذه من مزادة مشركة، وقال له: اذهب فأفرغه عليك.

<<  <   >  >>