للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تقول للرجل يكذّبك: والله إنّ أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه (١)، فكذّبته تكذيبا غير مكشوف، وهذا فى القرآن وكلام العرب كثير؛ أن يوجّه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف.

وقال قتادة بن دعامة فى تفسير الآية: قد قال أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم للمشركين: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، وإنّ أحد الفريقين لمهتد (٢).

وأقول: إنّ هذا اللفظ جاء على الإبهام؛ لأنّ المشركين إذا أفكروا فيما هم عليه عند سماع هذا الكلام الباعث لهم على الفكر، فأجالوا أفكارهم فى إغارات بعضهم على بعض، وسبى ذراريّهم، واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وركوب الفروج الحرام، وقتل النفوس التى حرّم الله قتلها، وشرب الخمر الذى يذهب العقول ويحسّن ارتكاب الفواحش، وأفكروا فيما النبىّ صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون عليه، من صلة الأرحام، واجتناب/الآثام، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإطعام المسكين، وبرّ الوالدين، والمواظبة على عبادة الله، علموا أن النبيّ والمسلمين على الهدى، وأنّهم هم على الضلال، فبعثهم ذلك على الإسلام.

فهذه الفائدة العظيمة هى الداعية إلى الإبهام فى هذا الكلام.

والخامس: أن تكون «أو» بمعنى واو العطف، وهو من أقوال الكوفيّين، ولهم فيه احتجاجات من القرآن، ومن الشّعر القديم.

فممّا احتجّوا به من القرآن قوله: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى} (٣) و {عُذْراً أَوْ نُذْراً} (٤) و {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} (٥) ومن الشّعر القديم قول توبة بن الحميّر:


(١) فى الأصل، د: «تعينه» بتقديم الياء على النون، وأثبتّه على العكس من ط، وممّا حكاه ابن الجوزى عن الفراء، فى زاد المسير ٦/ ٤٥٥، ولم ترد هذه العبارة فى كتاب الفراء.
(٢) الدر المنثور ٥/ ٢٣٧، وتفسير الطبرى ٢٢/ ٦٤.
(٣) سورة طه ٤٤.
(٤) الآية السادسة من سورة المرسلات.
(٥) سورة طه ١١٣.