للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا

والذى حسّن لقائل هذا البيت حذف التنوين، لالتقاء الساكنين، ونصب اسم الله تعالى، واختيار ذلك على حذف التنوين للإضافة، وجرّ اسم الله: أنه لو أضافه (١) لتعرّف بإضافته إلى المعرفة، ولو فعل ذلك لم يوافق المعطوف المعطوف عليه فى التنكير، فحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وأعمل اسم الفاعل، فعطف (٢) نكرة على نكرة مجرورة، بإضافة «غير» إليها، وانتصاب «غير» على الحال، كانتصاب {ضالِّينَ} فى قوله تعالى: {أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ} (٣) فصار فى التقدير: غير مستعتب ولا ذاكر.

/وحكى عن القاضى أبى سعيد السّيرافىّ (٤)، أنه قال: حضرت فى مجلس أبى بكر بن دريد، ولم أكن قبل ذلك رأيته، فجلست فى ذيل المجلس، فأنشد أحد الحاضرين بيتين يعزيان إلى آدم عليه السّلام، قالهما لما قتل ابنه قابيل أخاه هابيل، وهما:

تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبّر قبيح (٥)

تغيّر كلّ ذى حسن وطيب ... وقلّ بشاشة الوجه المليح

فقال أبو بكر: هذا شعر قد قيل فى صدر الدنيا، وجاء فيه الإقواء،


(١) فى هـ‍: أضاف.
(٢) حكاه البغدادى عن ابن الشجرى، وذكر أن بعضهم أعرب «ذاكر» بالنصب عطفا على «غير». الخزانة ١١/ ٣٨٢، وانظر حواشى كتاب الشعر.
(٣) سورة الصافات ٦٩.
(٤) وذكره فى كتابه ضرورة الشعر ص ١٠١،١٠٢، باختلاف فى العبارة.
(٥) هذان البيتان مما استفاضت بهما كتب العربية، انظر التنبيه على حدوث التصحيف ص ١٨، والإفصاح ص ٦١، ورسالة الغفران ص ٢٨٣، والإنصاف ص ٦٦٢، ومعجم الأدباء ٨/ ١٨٦ (فى ترجمة السّيرافى)، ونضرة الإغريض ص ٢٤٦، وطبقات الشافعية ٣/ ١٤٠ (فى ترجمة ابن دريد)، والهمع ٢/ ١٥٦، وغير ذلك كثير.