للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقول: إن منازل أحبابي لشغفي بها من أجل أحبابي صار في قلبي لها منازل، وإذا كان في قلبي لها منازل لمنازل الأحباب لأجل الأحباب فما ظنك بالأحباب. ثم انعطف فقال: أقفرت أنت ممن كان يحلك منهم، والمنازل التي في قلبي لك لم تخل منك. وإذا لم تخل منها لأجل أحبابه فما ظنك بأحبابه (١). ثم انعطف على صفتها بوصف آخر زائد، أو ابتدأ به على الاستئناف في التقديرين قاصدا إلى أن هذه المنازل لها مزية بالعلم القائم بها. ثم أخبر بما معناه نفي وإثبات وهو قوله: وإنما، على أن منازل قلبه أولى بالبكاء عليها، لكونها عالمة، من البكاء على الجماد. واستغنى بما في قوة الكلام من قوله: ببكى عليه، من إظهار المعنى الذي من أجله كان البكاء. فكأنه قصد إلى معنى أولى المنازل التي بليت وأصابتها النوائب بالبكاء عليها هي المنازل التي شرفت بالعلم. يشير إلى أن فؤاده الذي كنى عنه بالمنازل قد أصابه من البلاء والألم ما لم يصب المنازل ببلاها وخلوها. و"أولاكما" مبتدأ، و"ببكى" متعلق به، و"عليه" متعلق "ببكى"، و"العاقل" خبر المبتدأ، كقولك: أولى الناس بالافضال علي أنت. وأفادت "إنما" ما يفيده قولك: ما أولاكما بالبكاء عليه إلا العاقل. وأتى بلفظ الخطاب للمنازل المثناة لما قصد إلى القبيلين، وإن كان لم يخاطب في صدر كلامه إلا المنازل الخارجة، ولكنه لما أدخلها معها في القصد في آخر الكلام وجب لفظ الخطاب، كما تقول: جاءني زيد وأنت


(١) ما ذكره ابن الحاجب هنا هو معنى البيت الذي قبل البيت المقصود وهو قوله:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل
ولإيضاح المعنى شرح هذا البيت، لأن البيتين مرتبطان في معناهما.

<<  <  ج: ص:  >  >>