للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يجمع أمورا: منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه ... ". وهذه العبارة ثابتة في رسالة الشافعي (١).

وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ٤٦٩): "قال ابن أبي حاتم (٢)، عن أبيه، أن يحيى بن المغيرة سأل جريرا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة, ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه" (٣). اهـ.


(١) "الرسالة" ص (٣٧٠) بتحقيق الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر، وللكلام بقية نافعة مفيدة, آثرت أن أوردها.
قال الشافعي بعد الذي نقله المعلمي هنا: " ... عاقلا لما يحدث به, عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كا سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى، وهو غير عالم بما يحيل معناه, لم يدر -لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدَّاه بحروفه فلم يبق وجهٌ يُخاف فيه إحالتُه الحديث، حافظا إن حدث به من حفظه, حافظا لكتابه إن حدث من كتابه, إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريئا من أن يكون مدلسا: يحدث عمن لقى ما لم يسمع منه, ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ... ".
قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه (ص ٣٧٩): "ومن فقه كلام الشافعي في هذا الباب، وجد أنه جمع كل القواعد الصحيحة لعلوم الحديث (المصطلح)، وأنه أول من أبان عنها إبانة واضحة، وأقوى من نصر الحديث، واحتج لوجوب العمل به, وتصدى للرد على مخالفيه، وقد صدق أهل مكة, وبروا، إذ سموه: "ناصر الحديث" -رضي الله عنه-". اهـ.
قلت: وفي هذا دلالة واضحة على أن قواعد هذا العلم وأصوله قد دُونت منذ عهد بعيد، فضلا عن تخمرها في أذهان المحدثين ورواة الأخبار في العصور الأولى لعلم الرواية, مع تطبيقهم العملي لها قبل تدويتها، وذلك بداية من عصر خير القرون -الصحابة -رضي الله عنه- وما بعده.
وما ذكروه عند الكلام على أول من صنف في "علم الحديث"، وإنه "الرامهرمزي"، إنما قصدوا به من أفرد التصنيف فيه مع شيء من التبويب والتفصيل والترتيب لمسائله وحدوده.
وأصول هذا العلم وقواعده يشهد لصحتها القرآن والسنة، من الجرح والتعديل، وصفات من تقبل روايته أو ترد، ولتأسيس هذا المعنى موضع آخر، والله الموفق.
(٢) قاله في "الجرح والتعديل" المجلد الثاني (ص ٢٨٩). وذكره الذهبي تبعا له في "ميزان الاعتدال" (١/ ٢٧٧) دون ذكر هذه القصة، ثم الحافظ ابن حجر في "اللسان" (١/ ٤٦٩). ولم أر ذكرا لأنس ابن عبد الحميد في مصنفات الضعفاء والمجروحين إلا فيما ذكرتهم.
(٣) انظر إلى هذا الصدق والورع وعدم المحاباة, فلم يمنع جريرا أخوة أنس، أن يذكر ما فيه من الجرح، حتى =

<<  <  ج: ص:  >  >>