للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيه، وهذا لا يلزمُ، وإلا لاطَّرَدَ، فيقال مثلُهُ في جماعةٍ من الحفاظ، انتقدوا على البخاري إخراجَهُ لبعض الأحرف، أو تكلموا في بعض رجال "صحيحه"، ولا شك أن هذا غير مُسَلَّم، فهذا ابن طاهر لما قال: "شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله إلى الصحابي المشهور"، قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالا أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين، فأجاب الحافظ ابن حجر بقوله: "تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِهِ عن معاصرٍ، فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم، فلا ... ".

قلت: لاحِظْ أنه لما ضَعَّفَ النسائيُّ جماعةً من رجال الشيخين، بل وتجنب إخراجَ أحاديثهم، قيل: إنَّ له في الرجال شرطًا أشد من شرطهما، ولم يقل أحد أنه أشد تعنتا منهما، وذلك لأنها قضية تختلف فيها الأنظار، ولا شك أن أكثر ما خالف فيه النسائي -أو وافق أيضا- إنما مرجعه إلى الاجتهاد والنظر- ونَقْلُهُ في الأبواب كلامًا لغيره قليلٌ.

فكذلك الحالُ بالنسبة لأبي حاتم أو غيره من النقاد، يُجَهِّلُ أحدُهم مَنْ يَعرفُهُ غيرُه، أو يُضَعِّفُ مَنْ يُوثقُهُ غيرُه، والعكسُ بالعكسِ، ولا غضاضةَ في ذلك، ولا إشكالَ البَتَّةَ لِمَنْ تدبر كتب القوم واختلافهم فيها.

وقواعدُ النظرِ في اختلافهم، والترجيحِ بين أقوالهم: منشورةٌ في كتب الفن قديما، لا يعوز الطالبَ إلا تحصيلُ أسبابها، وليس من تلك القواعد أن تُطرحَ أقوالُ أَحدهم -لمجرد مخالفة غيره له من النقاد- بدعوى أنه متعنت، والأمرُ دائرٌ حولَ القرائن، وتابعٌ لاختلافِ الأحوال، والحججُ والدلائلُ والشواهدُ قاضيةٌ على كُلِّ دعوى.

<<  <  ج: ص:  >  >>