للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ببكاء أهله)) فذكر عند عائشة (ض) قول ابن عمر، فقالت: ((رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: ((أنتم تبكون وإنه ليعذب)) (١) وكان مقصود عائشة (ض) كما في صحيح البخاري: ((إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن)) (٢) لأن البكاء عمل الآخرين فهم يتحملون عقابه وليس الميت، ثم قالت: وحسبكم القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قال ابن عباس (ض) عند ذلك: ((والله هو أضحك وأبكى)) قال ابن أبي مليكة: ((والله ما قال ابن عمر (ض) شيئا)) (٣).

يقول الإمام البخاري (ح) وهو يفصل لنا قول عائشة، وابن عمر (ض): ((قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النوح من سنته لقول الله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته))، فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة (ض) {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهو كقرله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} ذنوبا {إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} (٤) وهو رأي عبد الله بن المبارك (٥).

ولكنني أرى أن استدلال عائشة (ض) صحيح في كل الصور الثلاث، وقد وافقها في هذه المسألة من الأئمة: الشافعي (٦)، ومحمد، والإمام


(١) صحيح البخاري كتاب الجنائز برقم ١٢٨٩، وصحيح مسلم كتاب الجنائز برقم ٩٣١، وسنن الترمذي كتاب الجنائز برقم ١٠٠٤.
(٢) صحيج البخاري كتاب المغازي برقم ٣٩٧٩، وصحي مسلم كتاب الجنائز برقم ٩٣٢.
(٣) صحيح البخاري كتاب الجنائز برقم ١٢٨٨، وصحيح الإمام مسلم كتاب الجنائز برقم ٩٢٩.
(٤) صحيح البخاري كتاب الجنائز (ترجمة الباب).
(٥) قال الإمام الترمذي: وقال ابن المبارك: ((أرجو إن كان ينهاهم في حياته أن لا يكون عليه من ذلك شيء)) (سنن الترمذي باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت حديث رقم ١٠٠٢).
(٦) قال أبو عيسى الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن عائشة، وقد ذهب أهل العلم إلى هذا وتأولوا هذه الآية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وهو قول الشافعي (كتاب الجنائز برقم ١٠٠٤).

<<  <   >  >>