للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعناها كلُّها التحضيضُ والحَثُّ. وإذا وَلِيَهنّ المستقبلُ كنّ تحضيضًا، وإذا وليهنّ الماضي، كن لَوْما وتوبيخًا فيما تَرَكَه المخاطبُ، أو يُقدَّر فيه التركُ، نحوَ قول القائل: "أكرمتُ زيدًا"، فتقول: "هَلاَّ خالدًا"، كأنّك تصرِفه إلى إكرامِ خالد، وتحثّه عليه، أو تلومه على تركِ إكرامه. وحيث حصل فيها معنى التحضيض -وهو الحثّ على إيجاد الفعل وطلبُه- جرت مجرى حروف الشرط في اقتضائها الأفعالَ، فلا يقع بعدها مبتدأٌ، ولا غيرُه من الأسماء. ولذلك قال: "لا تدخل إلَّا على فعل ماض أو مستقبل".

فأمّا قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} (١)، فقد وليه الماضي، إلَّا أنّ الماضي هنا في تأويل المستقبل، كما يكون بعد حرف الشرط كذلك, لأنه في معناه، والتقديرُ: إن أخرْتَني أصَّدَّقْ، ولذلك جَزَمَ "وَأكُنْ" بالعطف على موضعِ "فأصَّدَّقَ".

قوله: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ} (٢)، فشاهدٌ على إيلائه الفعلَ المستقبلَ، والمراد: إيتنا بها.

وقوله: {فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا} (٣) وليه الجملةُ الشرطيةُ، وهي في معنى الفعل إذ كانت مختصّة بالأفعال، ولا يقع بعدها الاسمُ، فإن وقع بعدها اسمٌ، كان في نيّة التأخير، نحوَ قولك: "هلاّ زيدًا ضربتَ"، والمراد: هلا ضربت زيدًا، وعلى تقديرِ فعل محذوف، نحوَ قولك لفاعلٍ الإكرام: "هلّا زيدًا"، أي: هلّا أكرمتَ زيدًا.

ولذلك قال: إذا وقع بعدها اسم مرفوع أو منصوب كان بإضمارِ رافعٍ أو ناصبٍ، أي: من الأفعال.

قال سيبويه (٤): تقول: "لولا خيرًا من ذلك"، و"هلاّ خيرًا من ذلك" والمراد: هلا تفعل خيرًا من ذلك. ولو رفعه على تقديرِ:"هلا كان منك خيرٌ من ذلك" لجاز. ومنه البيت الذي أنشده [من الطويل]:

تعدّون عقر النيب ... إلخ

البيت لجرير، وقيل: للأشْهَب بن رُمَيلَةَ، والشاهد فيه أنّه أضمر فعلًا نَصَبَ "الكمى المقنعا". ومعناه أن هؤلاء بني ضَوْطَرَى، والضوطرى: الضَّخْمُ الذي لا غَناءَ عنده، يمشون بالإطعام والضيافةِ، ويجعلون الكرمَ أكبرَ مَجْدهُم. فقال: تعدّون عقر النِّيب، وهو: جمعُ نابٍ، وهي: المُسِنّة من الإبل ونحوِها للأضْياف، أكبرَ مجدكم يا بني ضوطرى لولا الكميَّ اَلمقنعَ، والكَمِىُّ: الشجاع المتكمّى في سِلاحه، أي: المستتر. والمقنَّع: الذي عليه البَيضَةُ. كأنّه ينسبهم إلى الفَشَل، وعدم الشجاعة.


(١) المنافقون: ١٠.
(٢) الحجر:٧.
(٣) الواقعة: ٨٦ - ٨٧.
(٤) الكتاب ١/ ٢٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>