للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

"أحلفُ بالله" أو "أُقْسِمُ"، ونويتَ القسم، كنتَ مقسمًا, ولم تكن مخبرًا، إلَّا أنّها وإن كانت جملة بلفظ الخبر -والجملةُ عبارة عن كلّ كلام مستقلّ- فإنّ هذه الجملة لا تستقلّ بنفسها حتى تُتْبَع بما يُقْسَم عليه، نحو: "أقسمُ بالله لأفعلنّ". ولو قلت: "أقسمُ بالله" وسكتَّ، لم يجز؛ لأنّك لم تقصد الإخبارَ بالحَلْف فقط، وإنّما أردتَ أن تخبر بأمر آخر، وهو قولك: "لأفعلنّ"، وأكّدته بقولك: "أحلفُ بالله".

ونظيرُ ذلك من الجمل الشرطُ والجزاء، فإنّها، وإن كانت جملة، فقد خرجت عن أحكام الجمل من جهةِ أنّها لا تفيد حتى ينضمّ إليها الجزاء، فالجملة الفعليّة في القسم قولك: "أحلفُ بالله"، و"أُقسِم بالله"، ونحوهما.

واعلم أنّ من الأفعال أفعالاً فيها معنى اليمين، فتجري مجرى "أحلفُ". ويقع الفعلُ بعدها كما يقع بعد "والله"، وذلك نحو: "أشهدُ"، و"أعلمُ"، و"آليْتُ". فلمّا كانت هذه الأفعالُ لا تتعدّى بأنفسها، جاؤوا بحرف الجرّ، وهو الباء لإيصال معنى الحلف إلى المحلوف به. قال الخليل (١): إنّما تجيء بهذه الحروف؛ لأنّك تضيف حَلْفَك إلى المحلوف به كما تضيف "مررت" بالباء إلى "زيد" في قولك: "مررت يزيد".

فأمّا الجملة الاسميّة، فقولك: "لَعَمْرُكَ"، و"لَعَمْرُ أبيك"، و"لَعَمْرُ الله". فـ "عمرُك" مبتدأٌ، واللامُ فيها لامُ الابتداء، والخبرُ محذوف، وتقديره: قسمي، أو حَلْفي، وحذفوه لطُول الكلام بالمُقْسَم عليه. ولزم الحذفُ لذلك كما لزم حذفُ الخبر في قولك: "لولا زيدٌ لكان كذا"، لطول الكلام بالجواب. والعَمْرُ والعُمْرُ: واحدٌ، يقال: "أطال اللَّهُ عَمْرَك وعُمْرَك". وهما، وإن كانا مصدرين، بمعنى، إلّا أنّه استُعمل في القسم منهما المفتوح دون المضموم، كأنّه لكثرة القسم اختاروا له أخفَّ اللغات. فإذا دخلت عليه اللامُ، رفُع بالابتداء؛ لأنّها لامُ الابتداء. وإذا لم تأت باللام، نصبتَه نصبَ المصادر، وقلت: "عَمْرَك الله ما فعلت"، ومعنى: "لَعَمْرُ اللَّهِ" الحلفُ ببقاء الله تعالى ودوامِه، فإذا قلت: "عَمْرَكَ اللَّهَ"، فكأنّك قلت: "بتعميرك الله"، أي: بإقرارك له بالبقاء. فأمّا قول عمر بن أبي ربيعة [من الخفيف]:

١٢٣٨ - [أَيُّهَا المُنكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً] ... عَمْرَكَ اللَّهَ كيف يَلْتَقِيانِ


(١) الكتاب ٣/ ٤٩٧.
١٢٣٨ - التخريج: البيت لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ص ٥٠٣؛ والأغاني ١/ ٢١٩؛ وأمالي المرتضى ١/ ٣٤٨؛ وخزانة الأدب ٢/ ٢٨؛ والشعر والشعراء ٢/ ٥٦٢؛ ولسان العرب ٤/ ٦٠١ (عمر)؛ والمقاصد النحويَّة ٣/ ٤١٣؛ وللنعمان بن بشير في ديوانه ص ١٤؛ وبلا نسبة في المقتضب ٢/ ٣٢٩.
اللغة: المنكح: المزوِّج.
المعنى: يستنكر الشاعر أنّ تُزوج الثريا من هذا الرجل الذي يدعى سهيلاً فيقول لا مناسبة بينهما, ولا لقاء، فهي شامية، وهو يماني، وبينهما من البعد ما بين الثريا وسهيل، لذلك كان من المفارقة زواج أحدهما من الآخر.=

<<  <  ج: ص:  >  >>