للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشارح: اعلم أنّ سيبويه لا يرى تقدُّمَ المميَّزِ على عامله فعلًا كان العاملُ، أو معنًى، لا يُجَوّز أن تقول: "عَرَقًا تَصبّبَ زيدٌ"، ولا "نفسًا طِبْتُ"، وكذلك لا يُجوِّز "سمنًا عندي منوان"، ولا "بُرًّا عندي قفيزان" على تقديرِ: عندي منوان سمنًا، وقفيزان برًّا.

أمّا إذا كان العاملُ معنى غيرَ فعل، فأمرُ امتناع تقديمِ معموله عليه ظاهرٌ، لضُعْفِ عامله، وكذلك يمتنع تقديمُ الحال على العامل المعنوَىِّ، فلا تقول: "قائمًا في الدار زيدٌ" على إرادةِ: في الدار زيدٌ قائمًا.

وأما إذا كان العاملُ فعلاً متصرِّفًا، فقَضِيَّةُ الدليل جوازُ تقديم منصوبه عليه لتصرفِ عامله، إلَّا أنّه منع من ذلك مانعٌ، وهو كونُ المنصوب فيه مرفوعًا في المعنى من حيث كان الفعلُ مسنَدًا إليه في المعنى والحقيقة، ألا ترى أنّ التصبّب في قولك: "تصبّب زيدٌ عرقًا، وتفقّأ شحمًا" في الحقيقة للعرق والتفقّؤ للشحم، والتقديرُ: تصبّب عرقُ زيدٍ، وتفقّأ شحمُه، فلو قدّمناهما، لأوْقعناهما موقعًا لا يقع فيه الفاعلُ, لأنّ الفاعل إذا قدّمناه، خرج عن أن يكون فاعلاً، وكذلك إذا قدّمناه، لا يصحّ أن يكون في تقدير فاعلٍ، نُقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعًا لا يقع فيه الفاعلُ.

فإن قيل: فأنت إذا قلت: "جاء زيدٌ راكبًا" نصبتَ "راكبًا" على الحال، وجاز لك تقديمُه، فتقول: "راكبًا جاء زيدٌ"، والمنصوبُ هنا هو المرفوعُ في المعنى، فما الفرقُ بينهما؟ قيل: نحن إذا قلنا: "جاء زيدٌ راكبًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا ومعنًى، وبقي المنصوب فضلةً، فجاز تقديمُه، وأمّا إذا قلنا: "طاب زيدٌ نفسًا"، فقد استوفى الفعلُ فاعلَه لفظًا, ولم يستوفِه من جهة المعنى، فلذلك لم يجز تقديمُ المنصوب، كما لم يجز تقديمُ المرفوع.

وقد ذهب أبو عثمان المازني، وأبو العبّاس المبرّدُ، وجماعةٌ من الكوفيين (١) إلى جوازه، واحتجّوا لذلك ببيتٍ أنشدوه، وهو [من الطويل]:

أَتَهْجُرُ سَلْمَى بالفِراق حَبِيبَها ... وماكَادَ نفسا بالفِراق تَطِيبُ


= ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة. "وما": الواو: حاليّة، و"ما": نافية. "كاد": فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير الشأن. "نفسًا": تمييز منصوب. "بالفراق": جار ومجرور متعلّقان بـ "تطيب". " تطيب": فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
وجملة "أتهجر ... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة "وما كاد ... ": في محلّ نصب حال. وجملة "تطيب": في محلّ نصب خبر "كاد".
والشاهد فيه قوله: "نفسًا" حيث وردت تمييزًا متقدمًّا على عامله "تطيب"، والأصل: "تطيب نفسًا". وقد جوّزه بعضهم، واعتبره بعضهم الآخر ضرورة.
(١) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، ص ٨٢٨ - ٨٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>