فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: وحديث النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- هنا لا يحتج به على صحة ما يفعله بعض النَّاس في رجب من تخصيصه ببعض العبادات التي لا أصل لها, ولكنه لبيان حال لا يخفى, وواقع لا يُدفع, فالناس في رجب يتحمسون لأداء بعض الأعمال التي لا أصل لها في الشَّرع؛ كتخصيصه بعمرة, وصيام كلِّه أو أكثره, والاحتفال بالإسراء والمعراج, وأداء بعض الصلوات المبتدعة كصلاة الرغائب, و .. غيرها, أما رَمَضان فهو شهر العبادات وأداء القربات, فكأن شَعبَان صار شهر استراحة بين هذين الشهرين.

ثانياً: أن الأعمال ترفع فيه إلى الله:

لما جاء في حديث أسامة السابق: «وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين؛ وأُحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم».

قلت: ورفع الأعمال على أضرب: منه رفع سنوي, وهو المقصود -ها هنا- في الحديث, ومنه رفع أسبوعي, وذلك يومي الاثنين والخميس, ومنه رفع يومي في آخر الليل وآخر النهار, ثم عرض أخير وذلك بعد انقضاء الأجل.

قال ابن القيم -رحمه الله-: «ونظير هذا -أيضاً- رفع الأعمال وعرضها على الله؛ فإن عمل العام يرفع في شَعبَان -كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال, قال: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» -, ويعرض عمل الأسبوع يوم الاثنين والخميس كما ثبت ذلك عن النبي, ويعرض عمل اليوم في آخره والليلة في آخرها, كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري عن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل النهار, وعمل النهار قبل الليل» , فهذا الرفع والعرض اليومي أخصُّ من العرض يوم الاثنين والخميس, والعرض فيها أخصُّ من العرض في شَعبَان, ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كلُّه, وعُرِض على الله, وطُويت الصحف, وهذا عرض آخر».اهـ «طريق الهجرتين» (ص133).

ثالثاً: التَّهيُّؤ للعبادة وتوطين النفس على الطاعات.

فإنه يكون بمثابة السُّنَّة الراتبة القبلية لشهر رَمَضان, والتي يهيِّئ العبد نفسه بها لأداء الفريضة بعدها, وتكون توطئة لأداء جليل العبادات وعظيم القربات, فلا يفاجأ العبد بثقل العبادات في رَمَضان.

* صيامه:

أولاً: صيام شَعبَان كلِّه أو أكثره:

ثبت في السنة الصحيحة أن النبيَّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- كان يحرص على صيامه, ويعتني بأيامه.

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يصوم حتى نقول لا يفطر, ويفطر حتى نقول لا يصوم, وما رأيت رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- استكمل صيام شهر قط إلا شهر رَمَضان, وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شَعبَان». متفق عليه

وعند النسائي والترمذي: قالت: «ما رأيت النبيَّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في شهر أكثر صياماً منه في شَعبَان, كان يصومه إلا قليلاً, بل كان يصومه كلَّه». وفي رواية لأبي داود: قالت: «كان أحبَّ الشهور إلى رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أن يصومه شَعبَان, ثم يَصِله برَمَضان». وفي رواية للنسائي: قالت: «لم يكن رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- لشهرٍ أكثر صياماً منه لشَعبَان, كان يصومه, أو عامته». وفي رواية للبخاري ومسلم: قالت: «لم يكن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يصوم شهراً أكثر من شَعبَان, فإنه كان يصوم شَعبَان كلَّه». انظر: «صحيح الترغيب» (1/ 595 - 596).

قال شيخنا العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: «ينبغي للإنسان أن يكثر من الصيام في شهر شَعبَان أكثر من غيره, لأن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- كان يصومه.

قال أهل العلم: والحكمة من ذلك: أنه يكون بين يدي رَمَضان كالرواتب بين يدي الفريضة». «شرح رياض الصالحين» رقم (1248 (.

ثانياً: الصيام بعد النِّصف منه:

أخرج ابن ماجه (1651) في سننه وصححه الألباني عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «إذا كان النصف من شَعبَان فلا صوم حتى يجيء رَمَضان» , وعند أحمد (9707): «إذا كان النصف من شَعبَان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رَمَضان». وانظر: «صحيح الجامع» (397).

قال المناوي -رحمه الله-: «وحكمة النهي: التَّقوِّي على صوم رَمَضان واستقباله بنشأة وعزم». «فيض القدير» (1/ 391).

¥

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير