للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الظواهر الغريبة في حياة المفتين والعلماء الجزائريين عندئذ دخولهم في الطرق الصوفية رغم علمهم في الظاهر. وهذا ليس خاصا بالعلماء الذين قد يكونون أصلا من الزوايا أو درسوا فيها، بل كان أمرا شائعا حتى فيمن تخرج من المدرسة الشرعية - الفرنسية. لاحظنا ذلك على المفتي علي بن الحفاف مع (الشاذلية) والشيخ أبو القاسم الحفناوي بن الشيخ مع (الرحمانية)، والقاضي شعيب بن علي مع مختلف الطرق الصوفية، وهو واضح في حالة الشيخ المفتي علي بن عبد الرحمن مع الطريقة التجانية. ترى ما الذي حمل هؤلاء العلماء على الدخول في الطرق الصوفية، رغم أنهم كانوا موظفين ويتعاملون مع سلطة محتلة لبلادهم؟ فهل هو التقرب إلى الله أو التقرب إلى الحكام عن طريق رجال التصوف؟ أو هو نوع من شراء الأمن والاحتماء بالشيوخ؟ ولنذكر الناسين بأن علماء العهد العثماني كانوا على هذا النمط أيضا، وكان بعضهم يشتري الدنيا بالآخرة. وقد ذكرت عدة مصادر أن المفتي علي بن عبد الرحمن كان من أتباع الطريقة التجانية، بل من أبرزهم، فلا غرابة إذن أن تنتشر البدع بين الناس ما دام رجال الدين فيهم قد أصبحوا يغطون في النوم في ظاهر الأمر. وكان القاضي شعيب بن علي يكاتب ويجامل أحمد سكيرج المغربي الذي سخر قلمه للدفاع عن التجانية، فيطلب منه الإجازة والبركة. وقد صدق ابن باديس عندما هاجم سكيرج هذا قائلا أنه لم يدع إلى نهضة شعب أو يعارض الاحتلال لبلاده.

ومهما كان الأمر، فإن الشيخ علي بن عبد الرحمن كان حيا إلى أوائل هذا القرن. وكانت السلطات الفرنسية يرضيها جدا أن يكون أمثاله على رأس الديانة الإسلامية في الجزائر. وكان ابن عبد الرحمن معاصرا لشخصيات أخرى لا تقل عنه غيرة على الصوفية، أمثال حميدة العمالي الذي كان رحمانيا، وعبد الحليم بن سماية الذي استجاز الشيخ محمد بن بلقاسم


= (مثال من الاحتجاج الحضري في القرن ١٩، قضية مقبرة وهران الإسلامية)، في (دفاتر التاريخ المغربية)، ديسمبر ١٩٨٧ عدد ١، ص ٩٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>