للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويمكننا أن نلاحظ، حول التعليم، وجود شبه سياسة عثمانية في تبادل الأساتذة مع البلاد الإسلامية الأخرى، فقد سمح العثمانيون لعلماء غير جزائريين باستيطان الجزائر والتدريس والتوظف فيها كما سمحوا لعلماء الجزائر وطلبتها بنشدان العلم بالمعاهد الإسلامية خارج الجزائر حتى مع البلاد التي كانت بينها وبينهم توترات سياسية كالمغرب، بل حتى عندما يتعلق الأمر بنقل مذاهب صوفية معارضة للعثمانيين في الجزائر كتعاليم الطريقة الدرقاوية والطيبية، ونعتقد أن مصدر هذا التسامح في تبادل (الخبرات) يعود إلى عقيدة العثمانيين من الدين ورجاله، فهم رغم الاختلافات السياسية أحيانا، تركوا أبواب الجزائر مفتوحة على العالم الإسلامي (١).

ولعل أهم من ذلك كله الآن لموضوعنا هو حركة المعلمين داخل الجزائر، ذلك أن تكوين المعلمين لم يكن له مدينة معينة أو مدرسة، فقد كانت شهرة المدرس هي التي تحدد مكانه. وكان الطلاب يقصدون المدرس المشتهر ولو بعدت شقته، ولم تكن عند هؤلاء الطلاب عواطف إقليمية أو قبلية وإنما كانوا يأخذون العلم حيث وجدوه موفورا، ولو على حساب صحتهم ومالهم وسعادتهم الدنيوية، ذلك أن بعضهم كان يبدأ رحلته في طلب العلم بعد أن يكون قد تزوج وأنجب الأطفال، فكان يضحي بالجميع من أجل لذة العلم، فإذا اشتهر أمر عالم في زواوة قصده الطلاب من تلمسان ونحوها، كما فعل الشيخ عبد الرحمن بن موسى التلمساني الذي ذهب للتتلمذ على الشيخ يحيى بن عمر الزواوي (٢) وقد توجه الشيخ محمد وارث من متيجة إلى قسنطينة للتتلمذ على الشيخ محمد التواتي، وفي (منشور الهداية) للفكون عدد من أسماء هؤلاء الطلبة الذين كانوا يؤمون قسنطينة


(١) سندرس هذه النقطة في الفصل القادم عند حديثنا عن هجرة العلماء الجزائريين وقدوم علماء المسلمين إلى الجزائر.
(٢) ابن مريم (البستان)، ١٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>