للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

فزيف منهم ما ينيف على سبعين، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة، خاض ثبجها وصدم تيَّارها، غير مبال بالمغبَّة ولا حافل بالتَّبعة، فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلًا ولا يطمئن على حاله، وجرت له في ذلك حكايات إلى أن عزم الأمير أن يرد للعدالة بعض من أحطه فلم يجد في قناته مغمزًا ولا في هوده معجمًا (١).

تصدر لبث العلم بالحضرة يقريء فنونًا جمة، فنفع وخرَّج، وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب وعقد مجالس الحديث شرحًا وسماعًا على انشراح، صدر وحسن تجمل، وخفض جناح، قال القاضي المؤرخ أبو الحسن ابن الحسن في وصفه: كان شيخنا أبو عبد اللَّه بن بكر صاحب حزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء، أحرق قلوب الحسدة وأعزّ الخطة بإزالة الشوائب وذهَّب وفضَّض كواكب الحق، ونفذ في المشكلات، وثبت في المذهلات، واحتج وبكَّت وتفقَّه ونكَّت. قال: حدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال: كنت قاعدًا بمجلس حكمه، فرفعت إليه امرأةٌ رقعةً مضمنها أنها مُحبَّة في مِّطَلَّقها، وتطلب الشفاعة لها في ردِّها، فتناول الرُّقعة، ووقّع لها على ظهرها، بلا مهملة: "الحمد للَّه، من وقف على ما بالقلوب (٢) فليصغ لسماعه إصاغة مُغيث وليشفع للمرأة عند زوجها تأسيًا بشفاعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لبريرة في مغيث، واللَّه تعالى يسلم لنا العقول والدين ويسلك بنا مسلك المهتدين والسلام من كاتبه".

قال صاحبنا: فقال لي بعض الأصحاب: هلّا كان هو الشفيع لها؟ فقلت: الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على النصوص.

قرأ على الأستاذ المتفنن ابن السداد الباهلي القرآن جمعًا وإفرادًا والعربية والحديث ولازمه وتأدب به، وعلى الشيخ الصالح أبي عبد اللَّه بن حريث (٣)


(١) اختلاف بين نص "النيل" و"الإحاطة" يغيِّر المعنى، وما هنا أقرب للصواب.
(٢) في الإحاطة: ما بالمقلوب أي ما بظهر الورقة، ولعلها ما بالمكتوب.
(٣) في الإحاطة: عيَّاش.

<<  <   >  >>