للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بخس المؤلف حظ المسلمين في السياسة، فكففنا شيئاً من غلوائه، وما راعنا منه الآن إلا أن يلصق بملوك الإسلام وصمة الضغط على حرية العلم، ويطلق العبارة بكل صراحة كأنه لا يشعر بأن في الدنيا شيئاً يقال له: التاريخ.

أيريد منا أن نطارحه الحديث في النهضة العلمية الإسلامية، فنقف به على مبدأ نشأتها، أو نمر به على سائر أطوارها، ونريه كيف كان الملوك والأمراء يسعدونها بالترجمة، وإنشاء المدارس، وتأسيس المكاتب، وإجلال العلماء، وإسباغ النعم على المؤلفين؟ إنا عن تفصيل الحديث في هذا السبيل لفي شغل، ولا طاقة لنا إلا بأن نلقي على الحكومات الإسلامية نظرة إجمالية، ونقول فيها كلمة يطلّ منها القارئ على الحقيقة؛ ليشهد على بينة بأن المؤلف يباهت المسلمين وملوكهم على مسمع من التاريخ، ومرأى من مآثرهم الباقية.

قامت دولة بني أمية، وكلانت هممهم مصروفة إلى فتح البلاد، وتوسيع نطاق الدولة الإسلامية، فلم تتوجه عنايتهم إلى الزيادة على ما بين أيديهم من علوم إسلامية أو عربية، سوى ما جاء في التاريخ من أن معاوية ابن أبي سفيان - رضي الله عنه - كان "يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة (١). وأما ما قام به خالد ابن يزيد بن معاوية (٢) من نفسه، فاستقدم راهباً رومياً من إسكندرية، وأخذ عنه صناعة الكيمياء، ثم أمر بنقلها إلى العربية، وكذلك عرّب (ماسرجويه)


(١) "مروج الذهب" للمسعودي (ج ٢ ص ٥٧) طبعة بولاق.
(٢) خالد بن يزيد بن معاوية بن أَبى سفيان (... - ٩٠ هـ = ... - ٧٠٨ م) من الحكماء العلماء المشتغلين بالكيمياء والطب. وتوفي بدمشق.