للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اعتنق أبو بكر الإسلام عن يقين كفلق الصبح، وإخلاص لا يحوم عليه رياء. أسلم يوم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى دين الحق، وأولئك القوم الغلاظ الشداد ينغضون إليه رؤوسهم، ويسومون أتباعه سوء العذاب. أسلم يوم لا يخطر في خيال أحد أنه - عليه السلام - سيكثر تابعوه، ويعتز جانبهم، حتى تكون لهم دولة يخضع لسطوتها الجبابرة.

رمى أبو بكر وطنه وراء ظهره، وهاجر رفيقاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صابراً على مضض الاغتراب، ولم يغترب ليستدرّ عيشاً، أو لينهض من خمول، وإنما هي نفس أشربت إيماناً صادقاً، وتجردت لنصرة الحق وطمس معالم الباطل ما وجدت لذلك سبيلاً.

لا يسع المقام لأن نبحث عن سيرة أبي بكر في عهد النبوة أكثر من أن نقول: إنه هاجر إلى الله بقلب سليم، وكان مثال الزهد في غير بؤس، والحلم في غير ضعف، والعزّة في غير عظمة، وما برح يجاهد في الله حق جهاده إلى أن اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرض الوفاة، وقال لهم: "مروا أبا بكر فليصلّ للناس" (١).

صعدت الروح النبوية إلى الرفيق الأعلى، فأخذت الدهشة من الصحابة مأخذاً اضطربت له الأفكار، ونطقت فيه الألسنة بما لا تنطق به في حال وقار وسكينة، فجاء أبو بكر غيبة قريبة، وخطب بما دل على ثبات جنانه، ورسوخ علمه، فقال: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ


(١) "صحيح البخاري" (ج ١ ص ١٣٢). وكان هذا من أدلة تقديمه للخلافة، فقد قال بعض الصحابة - رضي الله عنه -: "رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟! ".