للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويتقدم الإمام المؤمّن الصادق الصابر بخطا ثابتة وسط هذا الشعب الصامد الذي كاد أن يتمزق غيظاً، وفي أعماقه بركان مقفل عليه بالإرهاب.

ويعتلي منبر الخطابة ليفجر قنبلة طالما أقضَّت مضاجع الحكام الطغاة، وهزت عروش الممالك القائمة على الجماجم والأشلاء ... وهي (الحرية).

والحديث عن الحرية في دولة الاستعباد والاستبداد لا يسر المستعمر، ولا يرتاح إليه الطاغوت، ولا يقبل به نظام القمع والتعذيب، ومن أين لفرنسا المستعمرة أن تقبل مثل هذا الحديث؟.

وعندما يخاطر المرء بحياته في ذلك الجو المكفهر، ويزاحم الصفوف لينادي على الأشهاد بكلمات تطرق أسماعهم، وتأخذ بألبابهم، فتطرب لها القلوب، وتعلو بها الهمم، ويقوى بها الضعيف، وتنزل كالصواعق على أعداء الحرية.

لا نقول: إِلا أنه رجل شجاع كبير، لم يرض الامتهان، ورفض قيود العبودية، وخاض مخاضاً صعباً لا يقدر عليه إِلا من آمن بالله رباً، وبالإسلام دينا، وابتغى ما عند الله من بشرى وثواب.

كم هي مضيئة مشرقة تلك الليلة المشهودة في تاريخ تونس ومطلع كفاحها من مساء يوم السبت ١٧ ربيع الثاني ١٣٢٤ هـ، وقد انتظمت جموع الناس الظامئة إلى العدالة والحق في نادي "جمعية قدماء تلامذة الصادقية" في مدينة تونس؛ لينصتوا إلى عالم جليل (١)، يطرح على الجماهير (حقيقة الحرية ... الشورى ... المساواة ... الحرية في الأموال ... الحرية في


(١) كان الإمام محمد الخضر حسين في يوم المحاضرة مدرساً بجامع الزيتونة الأعظم، ومدرساً بالمدرسة الصادقية.