للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأخذ مركز الخليفة في سامراء يتحرج شيئًا فشيئًا لأنه كان في الواقع تحت رحمة القواد من مرتزقة الترك، ولذلك فإن المعتمد سابع الخلفاء بعد المعتصم هجر قصر الخلافة عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م)، وهو القصر الذي اختاره سلفه المعتصم وجعل بغداد حاضرة الدولة للمرة الثانية، ولم يكن يزعجها الترك والبربر الذين كان يحزم أمرهم أخوه الموفق: وظلت حاضرة للدولة لا تنازعها في ذلك مدينة اخرى حتى سقطت دولة بنى العباس. وبين رجوع الخلفاء إلى الحاضرة القديمة ودخول أمراء بنى بويه خمسون عامًا امتازت بامتداد قصر الخليفة امتداد، عظيما في الجانب الشرقي، وأظهر الخلفاء الثلاثة الذين تولوا بعد المعتمد -وهم المعتضد والمكتفى والمقتدر- نشاطًا فائقًا في هذا السبيل، وشيدت في العهد نفسه عدة قصور وحدائق شغلت نحو ثلث مساحة الجانب الشرقي بأسره، وكانت تفصلها أسوار عن بقية المدينة، وسرعان ما انشأت أحياء جديدة مكتظة بالسكان حول الحى الفسيح الذي يشغله قصر الخليفة.

وساد السلام بغداد في عهدى الخليفتين الحازمين المعتضد والمكتفى، إذ أن الجند من الأتراك لم يجسروا على رفع رءوسهم في هذه الحقبة، ولكن ما إن مات المكتفى حتى أخذت سلطة الخلفاء في التدهور السريع، وازدادت القلاقل على مر الأيام في العاصمة وبخاصة فتن الجند المصحوبة بالحرائق وأعمال السلب والشغب مما أدى إلى اضمحلالها السريع ...

[شترك M. Streck]

وتحسنت الأحوال عندما استولى على بغداد معز الدولة أحمد الديلمى البويهى عام ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) وجمع في يده ما كان للخلفاء من سلطان، واستمر الحكم في بيته أكثر من قرن، واستولى الأمير البويهى في الجزء الشمالي من الجانب الشرقي على قصر الأمير السابق مؤنس وبنى هو وحلفاؤه من ذوي الميل الفني على توالى الزمن عدة قصور فخمة في ذلك الجزء من المدينة الذي أصبح قفرًا منذ حصار عام ٢٥١ هـ وقد عرفت جميع هذه القصور باسم "دار المملكة": ومما تجدر الإشارة