للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

٨٦٨ - ٨٨٣ م) وكانوا قد شقوا عصا الطاعة من قبل عام ٧٥ هـ (٦٩٤ م). وهذه الفتنة على جانب كبير من الأهمية لأنها حرب من الحروب القديمة، أو قل إنها كانت حربًا منظمة شنت على بغداد على مثال حربى أونوس Eunus (١٤٠ ق. م) وإسبرطاكوس Spartacus (٧٣ - ٧١ ق. م) اللتين شناهما على رومة، وحروب توسانت لوفرتير Tonssaint Louverture فى هايتى (١٧٩٤ - ١٨٠١ م) وعصيان حمالى ناتال بقيادة غاندى (١٩٠٦ - ١٩١٣) فى وجه الاستعمار الأوربى.

ويذكر الطبرى أن هؤلاء الثائرين هم مصدرنا الأساسى. وكانوا يشتغلون فى أعمال الحفر (كسّاحين) ومهمتهم جعل أرض العراق السفلى صالحة للزراعة وإزاحة السباخ وتكديسه أكوامًا لجعل أرض شط العرب المشبعة بالأملاح صالحة للزراعة (شورجية من شوره (١) أى النترات، وهى اصطلاح فارسى مستعمل أيضا فى عمان؛ انظر Glossaire de Tabari: de Goeje مادة كسح وهو ينقل فى هذا عن كتاب العيون).

وكان هؤلاء العمال يجمعون على الأغلب من بين العبيد الزنوج المجلوبين من الخارج ومن بين زراع البلاد، ثم يرتبون مجموعات كل مجموعة تتألف من عدد بين خمسمائة وخمسة آلاف فاعل ويحشرون حشرًا بلا أمل ولا مأوى. وكان طعامهم حفنا قليلة من الدقيق والجريش والتمر. وقد أدرك هؤلاء التعساء بوحى من احتكاكهم بالمسلمين أن لهم حقًا فى أن يعيشوا وأن ينالوا ولو قسطًا ضئيلا من العدل والإنصاف. وليس من شك فى أنهم قد تأثروا أيضا بالمتعبدين من المسلمين الذين كانوا يعيشون فى صوامع عبادان المجاورة.

وقد وجد هؤلاء العبيد زعيما صمم على أن يضع حدا لتعاستهم، وكان هذا الزعيم رجلا علويا من مدّعى الخلافة نسبته إلى على موضع جدل وإن كانت فيما يبدو صحيحة. ذلك أن البيرونى يقول إن الشيعة لا يزالون يحتفلون بعيده فى السادس والعشرين من رمضان. واتخذ هذا العلوى لنفسه اسم على بن محمد بن عيسى بن زيد بن عباس بن على بن حسين بن على، وكان يكنى بالبرقعى "أى المحجب"،


(١) "شورة" كلمة فارسية معناها أرض ذات نز وملح.
عبد المنعم حسين