للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بلسانهم. وقد كان محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] أميا قبل تلقيه الوحى لا بعده، ولايؤثر هذا التفسير فى نتيجة التساؤل عما إذا كان بمقدور محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] أن يقرأ وأن يكتب، اللهم إلا إن كانت كلمة "أمى" تحمل فى طياتها معنى عجزه عن قراءة الكتب المقدسة لليهود والنصارى. ولابد أن اشتغاله بالتجارة كان يستلزم قدرا من الإحاطة بقراءة العربية وكتابتها. وتشير الآيات ٤ - ٦ من سورة الفرقان إلى اتهام الكفار له بالافتراء {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. ولم تكتسب كلمه "أمى" معناها الشائع الآن (وهو الجهل بالقراءة والكتابة) إلا فيما بعد (١)، وفى الدوائر الدينية، كتدليل على معجزة تلقى محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] الوحى من اللَّه عن طريق جبريل [عليه السلام].

وتقصّ الروايات بتفصيل وافٍ ما لقيه محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] وأتباعه من الاضطهاد والأذى على أيدى أهل مكة، وهو ما تصوَره كتب السيرة على أنه من الأحداث المهمة فى حياة محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] إبّان الفترة المكية. غير أنها للأسف روايات غير واضحة قابلة لتفسيرات هى الأخرى غامضة. وثمة اعتبار آخر يجعل من الصعب التحدث فى ثقة عن المراحل الرئيسية فى حياة محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] قبل الهجرة، وهو أن القرآن الكريم الذى كثيرا ما يشير إلى أحداث مهمة فى حياة محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] والأمة الإسلامية فى المدينة بعد الهجرة، وببعض التفصيل، لا يكاد يذكر شيئا عن الوقائع التى تقول كتب السيرة إنها حدثت فى الفترة المكية.

ومثال ذلك ما ذكرته روايات عديدة عن هجرة بعض أتباع محمد [-صلى اللَّه عليه وسلم-] من مكة إلى الحبشة. ويتحدث ابن سعد عن هجرتين إلى الحبشة، قائلا إن معظم المهاجرين من الجماعة الأولى عادوا إلى مكة قبل الهجرة إلى المدينة، فى حين كان معظم مهاجرى الجماعة الثانية لا يزالون فى الحبشة وقت الهجرة، وحين


(١) معرفة الرسول [-صلى اللَّه عليه وسلم-] للقراءة والكتابة اتجاه بدأ يأخذ به عدد كبير من الكتاب مسلمين أنفسهم، ولم يعد أمرًا غريبًا. [هيئة التحرير]