فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المشهورة، ومقتل ابن الزبير في مكة، وما جرى في خلال ذلك من الفتن، وصارت الغلبة في الحرمين وغيرها لأهل الأهواء. فإذا كان هذا وقع في خير القرون، فما ظنك فيما بعدُ، حين اشتدت غربةُ الإسلام، وعاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.

[الأرض لا تقدس أحدًا وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ]

وأما قوله: إذ هي مهبط الوحي ومنبع الإيمان.

(فالجواب): أن نقول: مهبط الوحي في الحقيقة: قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} 1. وقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} 2، فهذا محل الوحي ومستقره.

وقوله: "ومنبع الإيمان".

الإيمان ينْزل به الوحي من السماء لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين، وهذه السور المكية في القرآن معلومةٌ -التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر من في مكة المشركون- وفيها ذمهم والردُّ عليهم؛ كقوله: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} وقوله: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} وقوله: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} 5، ونحو هذه الآيات، كما في فصلت والمدثر وغيرهما. ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخولها بالوحي، وقاتلوهم ببدر وأحد والخندق، وهم كانوا آخر العرب دخولا في الإسلام، حاشا مَنْ هاجر. وكل هذا بعد نزول الوحي.

ونحن -بحمد الله- لا ننكر فضل الحرمين، بل ننكر على من أنكره، ولكن، نقول: الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يُقَدِّسُ المرءَ عملُهُ، فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل كما تقدم. فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل لكثرة ثوابه، وأهل الباطل لا يزيدهم ذلك إلا شرا، تعظم فيه


1 سورة الشعراء آية: 193.
2 سورة العنكبوت آية: 49.
3 سورة الأنعام آية: 66.
4 سورة الأنعام آية: 26.
5 سورة الأنعام آية: 33.

<<  <  ج: ص:  >  >>