فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومن لم يجعله كنايةَ فإمّا أن يقيس عليه ما كان في معناه فلا يقع به طلاق، وإمّا أن لا يقيس، فإن لم يَقِسْ فإنه يقول: اللفظ إذا كان صريحًا في حكم ووجد نفاذًا لم يكن كنايةً في غيره، وجعلوا هذا هو عمدتهم في الفرق بين الطلاق بالظهار والطلاق بغيره، فيقولون: الظهار صريح في حكم، وقد وجد نفاذًا فيه، فلا يكون كنايةً في الطلاق، بخلاف غيرِه من الألفاظ، مثل لفظ الحرام والخلية والبرية، فإن تلك ليست صريحة في حكم، فلهذا كانت كنايةً في الطلاق.

فيقال: هذا الفرق باطل من وجوهٍ:

أحدها: أن قول القائل "اللفظ إذا كان صريحًا في حكم ووجد نفاذًا لم يكن كنايةً في غيره" دعوى مجردَّة لم يُقِم عليها دليلاً، ولم يثبِتْها بنص ولا إجماع ولا قياسٍ صحيح.

الوجه الثاني: أن يقال: هذه الدعوى باطلة، فإن اللفظ الصريح في حكمِ ليس من شرطه أن لا يكون مستعملاً في غيره، لا مطلقًا ولا مقيدًا، بل ولا يجب أن يكون نصًّا فيه، بل إذا كان ظاهرًا فيه بحيث يكون هو المفهوم عند الإطلاق فهو صريح فيه، وإن كان محتملاً لغيره، وإن كان قد يراد به غيره مع التقييد والقرينة، وحينئذٍ فإذا كان صريحًا في حكمٍ فمعناه أن المفهوم منه عند الإطلاق هو المعنى المقتضي لذلك الحكم. كلفظ التطليق، هو عند الإطلاق يُفهَم منه إيقاع الطلاق، وإن قيل: إنه صريح في المعنى الموجب للحكم فهو صريح في الإيقاع المقتضي للوقوع، وكذلك إن قيل: هو صريح فيهما. وإذا كان هذا معنى الصريح أمكن أن يكون مستعملاً في معنى آخر يريده به المتكلم مع القرينة، وحينئذٍ فلا يكون صريحًا في معنًى مانعًا عن استعماله في معنى آخر، كسائر الألفاظ التي هي ظاهرة في

<<  <   >  >>