للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبو جعفرٍ هذا بقاشْرُهْ (١) واختَفى بها حَذَرًا من إدخالِه معَهما في تلك المِحنة ولم يُعرَفْ بمكانِه حتى خَلَصا فظَهَرَ وفي ذلك يقول متبرِّمًا بحالِه [الطويل]:

أفي الحقِّ أن أُقْصىَ وما أنا مذنبٌ ... وأُترَكَ تَجْفي اللَّحظَ عنّي النواظرُ

غريبًا عن الأوطانِ والأهل لا أرى ... أنيسًا سوى ما تجتليهِ الخواطرُ

وُيقْصَدَ ظُلْمي ليس إلا لأنّني ... أُحسُّ بتقصير الذي هو قاصرُ

فيا ربِّ مَبْغيّ عليه فقُمْ لهُ ... بنَصْر فقد أوجَبْت أنك ناصرُ

وقلِّبْ لهُ قلبَ الخليفةِ علَّهُ ... تُنظَّمُ أشتاتٌ له وأواصرُ

وفي أُنسِه بنفسِه وفَقْدِه في تلك الحال ملاءمة من أبناء (٢) جنسِه يقول [الطويل]:

إذاكان أُنسُ الناس بالناسِ لم يكنْ ... أَنيسي سوى نفْسي وما هُو مِن نَفْسي

أَيُونِسُني شيءٌ سواها وبعضُ ما ... أُشاهدُ فيها عالَما الحسِّ والقُدسِ؟!

ثم إنّ المنصورَ استدعاه واستَخْلَصَه وبَسَطَ أملَه، ولم تزَلْ مكانتُه لديه تترَقَّى حتى بَلَغَ الغايةَ التي ليس وراءَها مطمَح، وتَلمَذَ له المنصورُ في بعض ما كان ينتحِلُه من العلوم النَظريّة، فَيذكُرُ أنه فَهِمَ يومًا من إلقائه عليه مسألةً منها حَسُنَ موقعُ فَهْمِه إيّاها منه وسُرَّ بتحصيلِها، فوَصَلَه بألفِ دينار من ضَربِه، ولم يزَلْ إحسانُه إليه متَواليًا عليه حتى أثْرَتْ حالُه وتأثّل أموالًا جَمّةً، وقال له يومًا: يا أبا جعفر، ما صَدَرَ عنّا من إنعام عليك فلْيكُنْ مستورًا لا يطّلعُ أحدٌ عليه، فإن ببابنا قومًا سَلَفَتْ لأسلافِهم خِدَمٌ لا يَبعُدُ أن تُدرِكَنا غفلةٌ عن مُعاهدتهم بما يؤمِّلونَه منّا، فإن بَلَغَهمُ الخبَرُ من إحسانِنا إلى مَن لم تتقدَّمْ لأوّليّته خدمةٌ لهذه الدولة أمكَنَ أن يؤثِّر ذلك في نفوسِهم فيكونَ داعيةً إلى تغيُّر بواطنِهم وسببًا في فساد ضمائرهم ومَنْشَأً لحَسدِك والبغي عليك.


(١) هكذا ضبطها ياقوت في "قاشره" من معجم البلدان، ويقال فيها: "قاشتره" أيضًا.
(٢) في ق: "أهل".

<<  <  ج: ص:  >  >>