للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

- في حَديثِ عِيَاض: "أَنزَلْتُ عَليكَ كِتابًا لا يَغسِلُه المَاءُ" (١)

قيل: فيه أَربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنّ بعضَ الأنبياءِ عليهمِ الصّلاة والسلام أُنزِل عليهم كُتُبٌ مَكتُوبَة، فلو غُسِل بالماء وقت نُزولِها لا نْمَحَى وذَهَب. وهذا الكتاب أُنزِل كما قَالَ: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ} (٢)؛ فلم يَكُن مَحوُه بالمَاء؛ لأنه مَحفوظٌ في الصُّدور.

الثاني: أن الغَسْلَ مِثلُ النَّسْخِ، والماء مَثَلٌ: أي كِتاباً لا يَنزِل بعدَه من الله تعالى كِتابٌ يَنْسَخُه كالكُتُب التي قَبلَه، وقد ضَرَب الله عزَّ وجلَّ الماءَ مَثَلاً للقرآن في قوله: {أَنْزَل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} (٣)

قال ابنُ عُيَيْنَةَ: أي قُرآناً فاحْتَمَلَتْه القُلوبُ.

الثالث: أَنَّه لما كان في العَادةِ أن يَضرِبَ المثلَ في الإبْطال والإفْنَاء بالمَاء أو النَّارِ اللَّذَيْن هما أقوى الأَشْياءِ في هذا البَابِ؛ يَقولُون:


(١) ن: في الحديث أنه قال فيما حَكَى عن ربِه: "وأنْزل عَليك كِتَابًا لا يَغْسِله الماءُ تَقْرَؤه نائِمًا ويَقْظانَ".
أراد أنه لا يُمْحَى أبدًا، بل هو مَحفُوظ في صُدُور الذين أوتُوا العِلْم، .. وكانت الكُتُب المُنَزَّلَة لا تُجْمَع حِفْظًا، وإنما يُعْتَمد في حِفظِها على الصُّحف، بخلاف القرآن، فإنّ حُفَّاظَه أَضْعافٌ مُضاعَفَة لصُحُفِه.
وقوله: "تَقْرؤُه نَائِمًا وَيْقظانَ": أي تجمعه حِفْظًا في حالَتَى النوم واليَقَظَة. وقيل: أراد تَقْرؤه في يُسْر وسُهولَة.
(٢) سورة الشعراء: ١٩٣ {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}.
(٣) سورةَ الرعد: ١٧ {أَنَزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}.