للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

القاضي جلال الدين له في ذلك، ولم يباشر مِنَ الأحكام إِلَّا اليسيرَ ممَّا لا يُستغنى فيه عنه.

ولما صدرت منه الإجابةُ للقاضي جلال الدين في النِّيابة عنه، وولي بعد وفاته القاضي ولي الدين بن العراقي، التمس منه أيضًا ذلك، فلم يجد بدًّا مِنْ إجابته دفعًا لتوهُّم مزيَّةٍ للقاضي جلال الدين عليه، فلمَّا ولي القاضي عَلَمُ الدِّين، وكان قد استشير في ولايته، فقال: إنه يجيءُ منه قاضٍ، وهو كلام مديح، سأله أن ينفذ مكتوب الخشَّابيَّة، لعلوّ منزلته فنفذه، وليس في هذا كبير أمرٍ، لأن القاضي علم الدين ممَّن قرأ على شيخنا في "محاسن الاصطلاح"، وابن شيخه، فلم يتوهم أنَّه يترفَّع عليه بذلك، فما كان إِلَّا اليسير حتَّى رأى منه ما لم يألَفْهُ منه قبلُ، فكان هذا سببًا للإجابة، حين عرض عليه قضاء الدِّيارِ المصرية، واستقرَّ في ذلك يوم السبت ثاني عشري المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد انفصال القاضي علم الدين المذكور.

وعمل له التَّقي ابن حجة تقليدًا بديعًا، أسلفتُ ذكره في الفصل الأخير مِنَ الباب قبله (١)، وفيه ما يُشعرُ بأنَّه عرض عليه ذلك في كلِّ مِنَ الأيام المؤيِّديَّة والظَّاهريَّة ططر، فما تيسَّر إِلَّا في الأيَّام الأشرفية، فاللَّه أعلم.

وباشره بعفَّةٍ ونزاهة وتواضُع زائدٍ، واستجلابٍ لخاطر الصَّغير قبل الكبير، وتصميم في الأمور، وإحسانٍ للفقراء والطَّلبة، لكن كان بنكدٍ وعنادٍ وتعب وكثرة مُعارض وقلَّةِ إنصافٍ، وأنشد الشيخ شمس الدين محمد بن علي الهيثمي لنفسه.

عزلوا صالحًا عن (٢) الحكم لمَّا ... ألبس اللَّه أحمدَ التَّشريفا

حصل العدلُ فهو ممنوعُ صرفِ ... ثم لا زال صالحٌ مصروفًا


(١) ١/ ٤٣٥ - ٤٤٠.
(٢) في (ط): "من".