فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قط، وكان يدعو لهم.

وجئتُ يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدّهم عداوةً وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه. ونحو هذا من الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظَّموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه» (1).

* تواضعه وهضمه لنفسه:

قال ابن القيم: «فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذلّ، وأنه لا شيء، وأنه ممن لم يصح له بَعدُ الإسلام حتى يدَّعي الشرفَ فيه.

ولقد شهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحَه- من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا منِّي شيء، ولا فيَّ شيء.

وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:

أنا المكدِّي وابنُ المكدِّي ... وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيِّدًا.


(1) «مدارج السالكين» (2/ 345).

<<  <  ج: ص:  >  >>