للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والحقيقة أن الموقف مختلف، والسياق غير متفق، فإنه لا ينبغي أن ينظر إلى الآيات مجردة، بل تؤخذ في مواطنها وسياقها، وهكذا ينبغي أن ينظر إلى كل نص أدبي، فإن اللغة ليست جملا مفردة بل هي مواقف ومواطن، وقد تصلح جملة في موطن، ولا تصلح في موطن آخر.

وإليك إيضاح الفرق بين الآيتين:

قال تعالى في سورة الأنعام: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم. قل أريتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} [الأنعام: ٣٩ - ٤٠].

فأنت ترى إنه وصف الذين كذبوا بآيات الله بالصم والبكم، وإنهم في الظلمات فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه وخطاب ليسمعوا وليعوا، وهذا شبيه بالموقف الذي سبق أن ذكرناه آنفا في قوله تعالى: {قل أريتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم} بخلاف سورة يونس التي ليس فيها هذا الأمر، جاء في (البرهان): " وأما أرأيتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الأنعام في موضعين، وغيرها وليس لها في العربية نظير، لأنه جمع فيها بين علامتي خطاب وهما التاء والكاف، والتاء اسم بخلاف الكاف فإنها عند البصريين حرف يفيد الخطاب، والجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة، وهو ذكر الإستبعاد بالهلاك، وليس فيما سواها ما يدل على ذلك، فاكتفى بخطاب واحد.

قال أبو جعفر بن الزبير: الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك، تأكيد باستحكام غفلته، كما تحرك النائم باليد، والمفرط الغفلة، باليد واللسان، ولهذا حذفت الكاف في آية يونس (١)، لأنه لم يتقدم قبلها ذكر صمم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب، وقد تقدم قبلها قوله: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار} إلى (٢) فحصل تحريكهم وتنبيهم بما لم يبق بعده إلا التذكير بعذابهم أهـ (٣)).


(١) يشير إلى الآية التي ذكرناها آنفا وهي قوله تعالى {قل أريتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا}
(٢) بياض في الأصل.
(٣) البرهان ٤/ ١٥١، ١٥٢

<<  <  ج: ص:  >  >>