فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الاحتمال الراجح، وحينئذٍ فالظهور والبطون من الأمور الإضافية، فإن كان الإنسان يظهر له من نصوص الصفات أن صفاتِ الخالق مماثِلةٌ لصفاتِ المخلوقات -مثل أن يظنّ أن استواءَه على العرش كاستواء الإنسان على بعيرِه أو على الفُلكِ، أو أن معيته مع الخلق تَقتضي دخولَه فيهم، أو أن قوله "الحجر الأسود يمين الله في الأرض" ظاهرُه أن صفة الله حلَّت في الأرض، وأن ذلك الحجر صفة للرب، وأنّ قوله (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (1) يقتضي أن يكون الله في جوف الأفلاك، ونحو ذلك- فمن ظنَّ أن هذه المعاني الفاسدة هي ظاهر القرآن، وأن مسماها ظاهره وحقيقته، فيجب على مثل هذا أن يعتقدَ التأويل في ذلك كلِّه، ويعلمَ أن هذه النصوص مصروفةٌ عن هذا المعنى الذي ظنَّه هو الاحتمالَ الراجحَ إلى ما يخالف ذلك المعنى. لكن عليه أن يعتقد ويعلم أن السلف والأئمة الأربعة الذين منعوا من التأويل لم يعتقدوا أن هذا المعنى الفاسد ظاهرُ هذه النصوص، ولا أنها تَدُلُّ على ذلك.

بل من فَهِم منها هذا المعنى الفاسد بَيَّنُوا له أنها لا تدلّ على هذا المعنى الفاسد، وفي كلام الله ورسوله ما ينفي عن الله هذا المعنى الفاسد.

فمن ادَّعى أن هذه المعاني الفاسدة قد دلَّ عليها القرآن كان ما في القرآن من التصريح بنفي ذلك مُثبتًا لنفي هذه المعاني الفاسدة، فإنه قد أخبر في القرآن أنه استوى على العرش، وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، وأخبر بعُلُوِّه في غير موضع من الكتاب. وهذه كلها نصوصٌ تنفي أن تكونَ صفاته تُشبِه صفاتًِ خلقِه (2)، أو يكونَ حالاً


(1) سورة الملك: 16.
(2) هنا انقطع الكلام في الأصل، وتتمته بعد 11 ورقة.

<<  <   >  >>