فصول الكتاب

<<  <   >  >>

لكَفَّروهم لأنهم يخالفونها كثيرًا.

قلت: أهلُ العلم والدين لا يُعاندون، ولكن قد يعتقد أحدهم إجماعًا ما ليس بإجماعٍ، لكون الخلاف لم يبلغه، وقد يكون هناك إجماع لم يعلمه. فهم في الاستدلال بذلك كما هم في الاستدلال بالنصوص، تارةً يكون هناك نصٌّ لم يَبلُغْ أحدَهم، وتارةً يعتقد أحدهم وجودَ نصٍّ ويكون ضعيفًا أو منسوخًا.

وأيضًا فما وصفهم هو به قد اتصفَ هو به، فإنه يترك في بعض مسائله ما قد ذكر في هذا الكتاب أنه إجماع.

وكذلك ما ألزمَهم إيَّاه من تكفير المخالف غيرُ لازمٍ، فإن كثيرًا من العلماء لا يُكفِّرون مخالفَ الإجماع، وقوله "إن مخالفَ الإجماع يُكفَّر بلا اختلاف من أحدٍ من المسلمين" هو من هذا الباب. فلعلَّه لم يبلغه الخلافُ في ذلك، مع أن الخلاف في ذلك مشهور مذكور في كتب متعددة. والنظَّام نفسُه المخالف في كون الإجماع حجةً لا يُكفِّره ابن حزم والناس أيضًا. فمن كفَّر مخالفَ الإجماع إنما يكفِّره إذا بلغَه الإجماع المعلوم، وكثير من الإجماعات لم تبلغ كثيرًا من الناس. وكثير من موارد النزاع بين المتأخرين يدعي أحدهما الإجماع في ذلك، إمّا أنّه ظنّي ليس بقطعي، وإما أنه لم يبلغ الآخر، وإما لاعتقادِه انتفاءَ شروطِ الإجماع.

وأيضًا فقد تنازع الناس في كثير من الأنواع هل هي إجماع يُحتَجّ به؟ كالإجماع الإقراري، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العصر الثاني على أحد القولين للعصر الأول، والإجماع الذي خالفَ فيه بعضُ أهلِه قبلَ انقراضِ عصرِهم، فإنه مبني على انقراض العصر، بل

<<  <   >  >>