فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فبالتوحيد يَقوى ويستغني، ومن سِرِّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله؛ وبالاستغفار له يُغفَر له. فلا يزول فقرُه وفاقتُه إلا بالتوحيد، لابدَّ له منه، وإلاّ فإذا لم يحصل له لم يزل فقيرًا محتاجًا لا يحصل مطلوبه معذَّبًا، والله تعالى لا يغفر أن يُشرَك به. وإذا حَصَل مع التوحيد الاستغفار حَصَل غناه وسعادته، وزال عنه ما يُعذَّب به، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهو مفتقر دائمًا إلى التوكل عليه والاستعانة به، كما هو مفتقر إلى عبادته، فلابدَّ أن يشهد دائمًا فقرَه إليه وحاجته في أن يكون معبودًا له وأن يكون معينًا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه. قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي يخوفكم أولياءه (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)) (1). هذا هو الصواب الذي علمِه جمهور المفسرين (2)، كابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة والنخعي، وأهل اللغة كالفراء (3) وابن قتيبة (4) والزجاج (5) وابن الأنباري. وعبارة الفراء: يخوِّفكم بأوليائه، كما قال: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) أي ببأسٍ، وقوله: (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15)) أي بيوم التلاق. وعبارة الزجاج: يُخوِّفكم من أوليائه. قال أبو بكر الأنباري (6): والذي نختاره في الآية أن المعنى يخوفكم أولياءه، يقول العرب: أعطيتُ الأموال، أي أعطيتُ القومَ الأموالَ، فيحذفون المفعول الأول، ويقتصرون على ذكر الثاني.


(1) سورة آل عمران: 175.
(2) انظر تفسير الطبري (4/ 122) و"زاد المسير" (1/ 506).
(3) معاني القرآن (1/ 248).
(4) تفسير غريب القرآن: (ص 116).
(5) معاني القرآن (1/ 490).
(6) نقل عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (1/ 507).

<<  <   >  >>