للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الرجال العاملين في ميدان المخطوطات العربية، لأن هذا الميدان محتاج إلى صفات معينة وأنا لا أملك من هذه الصفات شيئا. نعم قد نشترك في الأصل، ولكن طبيعتى لا تستطيع أن تخضع لغير ما أردته أنا وما اهتممت به. وسأدع الكلام الذي كتبته جانبا لأنه في الحقيقة لا يستحق أن يُقرأ فضلا عن أن يُسمع على ملأ من العلماء والفضلاء كانوا يتوقعون مني شيئا، ويطلبون مني فائدة، ويظنون بى علما، وأنا لست من العلم في شيء. بل أنا كما يقول أبو العلاء:

مَن يَبْغِ عندي نَحْوا أو يُرِد لغةً ... فما يُساعف مِن هذا ولا هذِى

يَكفيكَ شرا من الدنيا ومَنْقَصَةً ... ألا يَبينُ لك الهادِى من الهاذِى

فأرجو وقد جئت من بلاد بعيدة أتوكأ على عصا بيمينى وأعتمد على ابنتى بشمالى -ولكن بين ضلوعى نار لم تنطفيء بعد من بقية شباب ذهب- وسأختصر كلامي وأقصره على رجال ممن عرفتهم في مجال المخطوطات. وهم جميعا يشتركون في صفة واحدة يعرفها صلاح المنجد وحمد الجاسر -يعرفونها في أنفسهم. ولأن طول مصاحبتى لهؤلاء الرجال لم تكن رغبة في الاستفادة من علمهم في المخطوطات ولكن كانت رغبتى في مراقبتهم: كيف يتعبون وكيف يعملون.

فمن هؤلاء هذا الذي ذكرته لكم والذي نشأت على يديه، وهو أمين أفندى الخانجى. وقد حدثني أنه مِن حَىّ بحَلَب، وكان قد شَدا شيئا من العلم -قليلا جدا من العلم. وكانت له رغبة في أن يكون عالما، ولكنه كان صغيرا جدا، وعلى قدر بسيط جدا من المعرفة. ففي تجواله في المنطقة التي يسكنها رأي النساء يوقدن المواقد بأوراق الكتب- بل ببعض الكتب المجلدة. وفجأة استيقظت نفسه، فأراد منعهم (١) من أن يفعلوا ذلك، فاستحطب لهم حطبا يوقدون به مواقدهم، وأخذ منهم هذه الأوراق أو هذه الكتب التي كان بعضها مجلدا. واستمر على هذا دهرا، وإذا عاد إلى بيته بهذه الأوراق كان يقرؤها، وهو


(١) الحديث عن النساء، ولكن الضمائر التي تشير إليهن جاءت بصيغة التذكير.