للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سمنًا ولا زيتًا، ولا أكلًا منذ كذا وكذا (١) ... وحينها تعامل الفاروقُ مع الحدث بكل جديّةٍ وعدالة وصدق، فبعث أمراءه إلى الأمصار يستغيثهم ويستمدهم، ولربما كتب في الكتاب الواحد (الغوث الغوث مائتي مرة)، وأدرك أمراءُ الأمصار صدق عمر فصدقوا في الاستجابة معه، وقد جاء في ردِّ أحدهم: لُبيت، لبيت، لبيت يا عمر، أتاك الغوث، بعثتُ إليك عيرًا أولُها بالمدينة وآخرها بالشام (٢)،

وما بالُ هؤلاء لا يستجيبون للنداء، وقد ضرب عمرُ بنفسه نموذجًا رائعًا في مشاركة المسلمين في أزمتهم، فلقد حلف لا يأكل عمرُ سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس ولربما أشحبّ لونه، أو سمع قرقرة لبطنه، فألزمها الجوع والصبر حتى تنكشف الغمةُ عن المسلمين؟

ولقد رؤي الفاروقُ عند جماعة من الناس أقدمهم الجوعُ وبلغ بهم الجهدُ مبلغه، ومعهم جلدُ ميتة مشوية يأكلونه، فما كان من عمر إلا أن نزل وطرح رداءه، ثم طبخ لهم حتى طعموا وشبعوا ... (٣)

لقد بلغ عمرُ من الاهتمام بأمر المسلمين مبلغًا قدَّره له الصحابةُ والتابعون حين قالوا: «لو لم يرفع الله المَحْلَ والرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين» (٤).

وهكذا يكون الاهتمام بأمر المسلمين! ومع الجهود التي بذلها عمرُ والمسلمون معه عام الرمادة، فلم ينس عمرُ ربَّه في الدعاء لتفريج الكربات، ولقد أشير عليه أن يستسقي بالمسلمين، فخرج عمرُ بالمسلمين لصلاة الاستسقاء، فصلى بهم ودعا دعاءً كثيرًا، واستغفر حتى رؤيت الدموعُ تسيل على خديه، وقد بكى الناس معه، وكان يقول: لقد طلبتُ الغيث بمجادف السماء


(١) ابن سعد: الطبقات: ٢/ ٢١٢.
(٢) عمر بن شبَّة، تاريخ المدينة: ٢/ ٢٤٣ ..
(٣) ابن سعد: الطبقات: ٢/ ٣١٤.
(٤) ابن سعد: الطبقات: ٢/ ٣١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>