للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فما بالُنا تأخّرنا وتقدمَ غيرُنا؟ !

وهؤلاء المتقدمونَ أهلُ علمٍ وصلاحٍ وجهادٍ ودعوةٍ وطاعاتٍ يثقلُ بها الميزانُ، ومع ذلك لازموا قيامَ الليل؛ ليضيفوا الحسناتِ إلى الحسناتِ، ولتكتملَ الهممُ في جنحِ الظلامِ حيث لا يَرى إلا الذي يراكَ حين تقوم وتقلُّبك في الساجدين .. ولا يَسمعُ إلا الذي يعلمُ السرَّ وأخفى .. ودونكم نماذجَ من هِمَمِهم عسى أن توقظَ قلبًا غافلًا، أو تهدي فؤادًا شاردًا - ومنِ اهتدى فإنما يهتدي لنفسِه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها.

في «صحيح البخاري» و «مسندِ الإمام أحمد» عن أبي عثمانَ النهديِّ رحمَه الله قال: «تضيَّفت أبا هريرةَ رضيَ الله عنه سبعةَ أيام - أي نزلتُ ضيفًا عليه - فكان هو وزوجتُه وخادِمُه يتقسمونَ الليلَ أثلاثًا، الزوجةُ ثلثًا، وخادمُه ثلثًا، وأبو هريرة ثُلثًا».

وفي «تذكرة الحفّاظ» أن سليمانَ التيميَّ كان عندَه زوجتان، كانوا يتقسمونَ الليلَ أثلاثًا (١).

ومع اجتهادِ القومِ كانوا يتلذذونَ بهذه العبادةِ، وينافسونَ بها أهلَ الدنيا، ويقول أحدُهم: واللهِ لولا قيامُ الليل ما أحببتُ الدنيا، واللهِ إن أهلَ الليلِ في ليلِهم ألذُّ من أهلِ اللَّهوِ في لهوهِم، وإنه لتمرُّ بالقلب ساعاتٌ يرقصُ فيها طربًا بذكرِ اللهِ، فأقول: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه من النعيمِ إنهم لفي نعيمٍ عظيم (٢).

نعم إخوةَ الإيمان: قد يستَغربُ هذا المنطقَ المفتونونَ بالدنيا، الغافلون عن الآخرة .. ولكن الفرصةَ أمامَهم ليجرِّبوا وسيجدون ما وجدَه غيرُهم.


(١) الطويان، السابق (٢٩٤).
(٢) السابق (٢٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>