للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أم مطرودٌ؟ أترى مواصلٌ أنت أم مهجورٌ؟ أترى تركب النُّجُبَ غدًا، أم أنت على وجهك مجرورٌ؟ أَتُرى من أهلِ الجحيم أنتَ أم من أرباب القُصورِ» (١).

إخوة الإسلام: ومن الأخطاء في التوبة تركُ التوبةِ مخافةَ لمزِ الناس له، أو سقوطِ جاهِه ومنزلتِه وذهابِ شهرتِه، وكلُّ ذلك وهمٌّ خادع، وخطأ فادحٌ - فاللهُ أحقُّ أن يُخشى، وأجلُّ مَنْ يُطاعُ، وأعظمُ من يُعصى، ومن يتّقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا، واللهُ يُحبُّ التوابين، والتوبةُ سبيلٌ للقوةِ والنماءِ وكثرةِ الأموالِ والبنين {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (٢).

ومن أخطائنا في التوبة: التراخي بها والتمادي في الذنوبِ اعتمادًا على سَعَةِ رحمةِ اللهِ، وهذا الصنفُ من الناسِ - كما قال العارفون - يتعلَّقُ بنصوصِ الرجاء ويتّكِلُ عليها، وإذا عُوتبَ على الخطايا والانهماكِ فيها سَرَدَ لك ما يحفظُه من سَعَةِ رحمةِ الله ومغفرتِه ونصوص الرجاء، وللجُهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائبُ وعجائبُ (٣).

ويضرب أبو حامدٍ الغزاليُّ رحمه الله لهؤلاء مثلًا حين يقول: فهو كمن ينفقُ جميعَ مالِه ويتركُ نفسَه وعيالَه فقراءَ، منتظرًا من فضلِ اللهِ أن يرزقَه العثورَ على كنزٍ في أرضٍ خرِبة؟

ومَثلُه كذلك مثلُ من يتوقعُ النهبَ من الظَّلَمة في بلدِه، وقد ترك أموالَه وذخائرَه في صحن دارِه مكشوفةً مع قدرِته على دفنها، لكنه لم يفعل؛ بل قال: انتظرُ من فضل الله أن يُسلّط غفلةً أو عقوبةً على الظالم الناهبِ حتى لا يصلَ إلى


(١) بحر الدموع لابن الجوزي (٥٧).
(٢) سورة نوح، الآيتين: ١٠ - ١٢.
(٣) الجواب الكافي، ابن القيم (٦٧ - ٦٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>