للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخطبةُ الثانية:

الحمدُ لله خَلَقَ الموتَ والحياةَ ليبلوَكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيزُ الغفورُ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له أماتَ وأحيى، وخَلَق الزوجينِ الذكرَ والأنثى من نُطْفةٍ إذا تُمْنَى وأنَّ عليه النَّشأةَ الأخرى، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه أَوحى إليه ربُّه فيما أَوحى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (١) اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.

إخوةَ الإسلام: مشهدٌ غائبٌ وفجأةً يَحضُر، وآمالٌ بعيدةٌ والآجالُ دونَها، ويحَكَ يا ابنَ آدمَ حين يأخذُك الموتُ على غِرّةٍ ودونَ استعدادٍ ليوم المَعَاد، أين أنت من ظُلْمة القبرِ ووَحْشتِه، ومن هَوْلِ الحساب وعَرَصاتِ القيامة، فذاكَ الذي تَشِيبُ له النواصي، وتَذهلُ المراضعُ عمّا أرضَعَتْ، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حملَها، ألا وأنَّ القبرَ أولُ مشاهدِ القيامةِ، وعنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الميتَ يصيرُ إلى القبرِ فيُجلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبرِه غيرَ فَزِعٍ ولا مِشعُوف، ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، فيُقال له: ما هذا الرجلُ؟ فيقول: محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، جاءنا بالبيِّناتِ من عندِ الله فصدَّقْناه، فيُقال له: هل رأَيتَ اللهَ؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يَرَى اللهَ، فيُفرَج له فُرْجةٌ قِبَل النار فيَنظرُ إليها يَحطِمُ بعضُها بضعًا فيُقال له: انظُرْ إلى ما وَقَاكَ اللهُ، ثم يُفرَج له قِبلَ الجنة فينظرُ إلى زَهْرتِها وما فيها فيُقال له: هذا مقعدُك، ويقال له: على اليقينِ كُنتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبعَثُ إن شاء الله، ويُجلسَ الرجلُ السوءُ في قبرِه فَزِعًا مِشْعُوفًا، فيُقال له: فيم كُنتَ؟ فيقول: لا أدري، فيُقال له: ما هذا الرجلُ؟ فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولون قولًا فقلتُه، فيُفرَج له قِبَلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زَهرتِها وما


(١) سورة الزمر، الآية: ٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>