فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إخوةَ الإسلام: وإليكمْ أسوقُ بشارتين: إحداهما على شكلِ قصةٍ لرجلٍ فيمنْ كانَ قبلَنا، وأخبرَ عنها رسولُنا، والأخرى على هيئةِ خبرٍ أخبرَ به الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم، واستحلفَ عليه عمرُ بنُ عبدِ العزيز رحمه الله الراويَ له ثلاثًا .. ولكنَّ البشارتين كلتيْهما تَسُرَّانِ ولا تغران، وتُحفِّزانِ على التوبةِ ولا تُقْعدانِ عنِ العمل.

أما الأولى: فقد روى الإمامُ مسلمٌ رحمهُ اللهُ في «صحيحه» عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «كانَ فيمنْ كانَ قبلَكم رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فسألَ عنْ أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على راهبٍ فأتاه، فقال إنهُ قتلَ تسعةً وتسعينَ نفسًا، فهلْ لهُ منْ توبة؟ فقالَ: لا، فقتلَه، فكمَّل به مئةً، ثم سألَ عنْ أعلمِ أهلِ الأرض فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ، فقالَ إنهُ قتلَ مئةَ نفسٍ فهلْ لهُ منْ توبة؟ فقال: نعم، ومنْ يحولُ بينهُ وبينَ التوبة؟ انطلِقْ إلى أرضِ كذا وكذا، فإنَّ بها أُناسًا يعبدون اللهَ فاعبدِ اللهَ معهم، ولا ترجعْ إلى أرضِك فإنها أرضُ سوءٍ، فانطلَقَ حتى إذا نَصَفَ الطريقَ أتاهُ الموتُ، فاختصمتْ فيهِ ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذاب، فقالتْ ملائكةُ الرحمةِ: جاء تائبًا مقبلًا بقلبهِ إلى الله، وقالتْ ملائكةُ العذاب: إنهُ لمْ يعملْ خيرًا قطّ، فأتاهمْ مَلَكٌ في صورةِ آدميٍّ فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بينَ الأرضيْن فإلى أَيَّتِهما كانَ أدنى فهوَ له، فقاسوا فوجدوهُ أدنى إلى الأرضِ التي أراد فقبضتْهُ ملائكةُ الرحمة» (1).

أيها المسلمون: ولنا على هذا الحديثِ أكثرُ منْ وقفة:

الأولى: فضلُ اللهُ وسَعَةُ رحمتهِ مهما كانَ ذنبُ العبد، فاللهُ تعالى يغفرُ الذنوبَ جميعًا .. وهو يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرْغِر، ومَنْ حَجَبَ المذنبَ عنْ


(1) ح 2766.

<<  <  ج: ص:  >  >>