للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويلحق كذلك بطرائق النقد وأساليبه: ألا تطول سلسلة النقد، وجواب النقد، فجواب الجواب، حتى لا تثير الضغائن والأحقاد بين الأفراد، بعضهم لبعض، بصفةٍ دائمةٍ، ويُوقَف الكلام عند حدود اتضاح الوجوه المختلفة للطرفين (١).

إخوة الإيمان، وفي زحمة المناظرات والردود، والانتصار للنفس، تضيع أغلى مهمة للنقد، ألا وهي الرغبة في الإصلاح، ودفع الفساد .. وذلك حين يسوف المنتقد في نقد من انتقده، وربما تناسى غيره من الخصوم الصرحاء، بل ربما وسوس له الشيطان أن ذلك المنتقد أخطر وأولى بالنقد ... وهكذا يتسلل الأعداء، ويفرح المنافقون، إذ تخلو الساحة من الرقابة عليهم ... ويأمنون من متابعة الخيرين لمخططاتهم، إذ هم في شغُلٍ شاغلٍ بينهم ... وتُسْتباح المحرمات، وتُرْسِم البرامج والمخططات، ويصطلي بنارها الناقد والمنقود .. ولا يفرق المجرمون بين غالب أو مغلوب، ما داموا في دائرة الخيرين .. وهكذا تُحْفَر القبور بأيدي أصحابها .. وتُطْرَف العيون بأقرب عضو إليها! !

ألا ما أحوج الصادقين لجمع الكلمة .. وإصلاح ذات البين، وتجميع الطاقات، فمكر الأعداء كبيرٌ، وأنفاس الحياة معدودةُ، والانشغال بالبناء ومجاهدة الكفار والمنافقين أولى وأحرى من إشغال النفس بالهدم والتقليل من شأن المسلمين.

حذار عباد الله أن يتجارى بكم الشيطان كما يتجارى بأصحاب الأهواء فترون المنكر معروفًا، وتظنون المصلحين مفسدين، وحذار معاشر العلماء والدعاة وطلبة العلم من التخلي عن دوركم في الإصلاح والإنكار فيتحمل الدعوة غيركم ممن لافقه في الإنكار عندهم، فيبقى دوركم مقتصرًا على نقدهم والاستهانة بهم.


(١) المودودي، التذكرة ص ٩٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>