للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والصبر، ودرجة الثقة فيها بالله والقنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم والجموح.

كذلك امتحن الله المسلمين فيما مضى وزلزلوا زلزالاً شديدًا، وكذلك يُمتحن المسلمون اليوم، وتموج الأرض من تحت أقدامهم .. ليميز الله الخبيث من الطيب .. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

إن سنن الله ثابتة، فالفساد في الأرض، والتمرد على شرع الله، والذل والهوان، والرغبة في العاجلة، والارتماء في أحضان الكافرين .. لابد وأن يعاقب الله عليه عاجلاً، حتى تصفو النفوس، وتستقيم القلوب، وتعود الشوارد، وتستجيب الصمُّ لنداء الحق.

يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (١).

(أي لابد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيها وليُّه، وينفضح فيه عدوُّه، ويعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر).

عباد الله، ومع ما يقدر الله على العباد من محن وبلايا، وأحداث ورزايا، فقد كتب الرحمة على نفسه، فالابتلاء لحكمةٍ وفي المحن منح، وإن مع العسر يسرًا {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} (٢).

والمسلم العارف بربَّه يوافقه الشعور برحمة الله به في أي حال كان، يستيقن أن الرحمة وراء كلِّ لمحة، وكلِّ حالة، وأن ربَّه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه أو طرده من رحمته، فإن الله لا يطرد من رحمته أحدًا يرجوها، وإنما يطرد


(١) سورة آل عمران، الآية: ١٧٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>