للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلما وصلت الرقعة للبحتري .. رد الدنانير، وكتب إليه: [من الخفيف]

بأبي أنت أنت للبر أهل ... والمساعي بعد وسعيك قبل

والنوال القليل يكثر إن شا ... ء مرجّيك والكثير يقلّ

غير أني رددت برّك إذ كا ... ن ربا منك والرّبا لا يحلّ

فإذا ما جزيت شعرا بشعري ... قضي الحقّ والدنانير فضل

فلما عادت الدنانير إليه .. حلّ الصرة، وضم إليها خمسين أخرى، وحلف أنه يردها إليه، فلما وصلت إلى البحتري .. أنشأ يقول: [من الطويل]

شكرتك إن الشكر للعبد نعمة ... ومن يشكر المعروف فالله زائده

لكلّ زمان واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شكّ واحده

يقال: إن الشيخ محي الدين النووي أرسل بهذين البيتين إلى الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمهما الله تعالى لما بلغه أنه قيل لابن دقيق العيد: لم لا تصنف في الفقه؟ فقال: قد صنف الشيخ محي الدين النووي ما فيه كفاية.

ويحكى أن الإمام الغزالي قيل له: لم لا تصنف في التفسير؟ فقال: يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمهما الله.

ويحكى أن البحتري اجتاز بالموصل أو برأس عين، فمرض، وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوما مزورة (١)، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال للغلام:

اصنع هذه المزورة، وكان بعض الرؤساء حاضرا عنده وقد جاء يعوده، فقال ذلك الرئيس:

هذا الغلام ما يحسن طبيخها، وعندي طباخ من نعته وصفته، وبالغ في حسن صفته، فترك الغلام عملها اعتمادا على قوله، وقعد البحتري ينتظر، واشتغل الرئيس عنها، ونسي أمرها، فلما أبطأت عليه، وفات وقت وصولها إليه .. كتب إلى الرئيس: [من البسيط]

وجدت وعدك زورا في مزورة ... حلفت مجتهدا إحكام طاهيها

فلا شفى الله من يرجو الشفاء بها ... ولا علت كفّ ملق كفّه فيها

فاحبس رسولك عني أن جيء بها ... فقد حبست رسولي عن تقاضيها

وللبحتري أشعار كثيرة.


(١) المزورة: حساء بدون لحم يصنع للمريض.

<<  <  ج: ص:  >  >>