للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على وسطي، ونصفها على كتفي، وكان عليها مكتوب: يا رب؛ سلم وبلغ برحمتك يا أرحم الراحمين، وكنت إذا غلبني الجوع، ووجدت قوما يأكلون .. وقفت انظر إليهم، فيدفعون إلي كسرة، فأقنع بها ذلك اليوم، ووصلت إلى مكة، فغسلت العباءة وأحرمت بها، وسألت أحد بني شيبة أن يدخلني البيت، وعرفته فقري، فأدخلني بعد خروج الناس، وأغلق الباب، فقلت: اللهم؛ إنك بعلمك غني عن إعلامي بحالي، اللهم؛ ارزقني معيشة أستغني بها عن سؤال الناس، فسمعت قائلا يقول من ورائي: اللهم؛ إنه ما يحسن أن يدعوك، اللهم؛ ارزقه عيشا بلا معيشة، فالتفت، فلم أر أحدا، فقلت: هذا الخضر أو أحد الملائكة الكرام على الجميع السلام، فأعدت القول، فأعاد الدعاء، فأعدت فأعاد، ثلاث مرات، وعدت إلى بغداد، وكان الخليفة قد حرّم جارية من جواريه، وأراد إخراجها من الدار، فكره ذلك؛ إشفاقا عليها، قال محمد بن السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلا مستورا يصلح أن يزوج هذه الجارية، فقال بعض الحاضرين: قد وصل ابن سمعون من الحج، وهو يصلح لها، فاستصوب الجماعة قوله، وتقدم بإحضاره وإحضار الشهود، فأحضروا، وزوج بالجارية، ونقل معها من المال والثياب والجواهر ما يجمل بالملوك.

وكان ابن سمعون يجلس على الكرسي للوعظ فيقول: أيها الناس؛ خرجت حاجا وكان من حالي كذا وكذا، وشرح حاله جميعه، وأنا اليوم عليّ من الثياب ما ترون، وطيبي ما تعرفون، ولو وطئت على العتبة .. تألمت من الدلال، ونفسي تلك.

وروى الخطيب البغدادي عنه أنه خرج من مدينة النبي صلّى الله عليه وسلم قاصدا بيت المقدس، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا، فلما وصل إلى بيت المقدس .. طالبته نفسه بأكل الرطب، فأقبل عليها باللائمة وقال لها: من أين لنا في هذا الموضع رطب؟ ! فلما كان وقت الإفطار .. عمد إلى التمر ليأكل منه، فوجده رطبا صيحانيا، فلم يأكل منه شيئا، ثم عاد إليه من الغد، فوجده تمرا على حاله، فأكل منه (١).

أدرك الشيخ الكبير أبا بكر الشبلي وروى عنه، وجماعة من جلة المشايخ، وروى عن أبي بكر بن داود وغيره، وأملى عدة مجالس.

وكان له حسن الوعظ، وحلاوة الإشارة، ولطف العبارة، ومن كلامه: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة.


(١) «تاريخ بغداد» (١/ ٢٩١).

<<  <  ج: ص:  >  >>