للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فالأناة الأناة، فو حقّ الله العظيم على كل مؤمن موحد لأخدمنّكم بنات الحبشة وإخوانهم، ولأخولنكم أموالهم وأولادهم، ثم قرأ: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} الآية)، ثم ارتفع إلى الجبال إلى الداشر من بلاد خولان، ثم منه إلى حصن الشرف، وهو لبني خيوان من خولان، فسماهم الأنصار، وسمى من صعد معه من تهامة المهاجرين، ثم ساء ظنه بكل أحد ممن هو في صحبته؛ خوفا منهم، فاحتجب منهم، وأقام لأنصاره سبأ بن محمد [وأقام للمهاجرين رجلا من العمرانيين يسمى] التويتي (١) ونقبهما على الطائفتين، ولقب كل واحد منهما بشيخ الإسلام، فلا يخاطبه ولا يصل إليه أحد غيرهما، وربما احتجب فلا يرونه، ولم يزل يغادي الغارات على تهامة ويراوحها حتى أخرب الحراز المضاهية للجبال، والحبشة تبعث منها الجيوش، وتجرد العساكر في طلبه، فلا يغنون شيئا، فلم يزل ذلك دأبه إلى أن أخرب جميع الوادي، وبطل الحرث والعمارة في مدته، وانقطعت القوافل، وأمر أصحابه بسوق الأنعام والرقيق، وما عجز عقروه، ففعلوا من ذلك ما أرعب وأرهب، ثم دبر على قتل القائد سرور الفاتكي، فلم يزل يرصده حتى قتله في تاريخه المتقدم سنة إحدى وخمسين، فاشتغل رؤساء الحبشة بعده بالتنافس والتحاسد، ثم زحف ابن مهدي في جموعه على مدينة زبيد في جيوش لا تحصى، فصبر أهل زبيد على القتال والحصار ما لم يصبره غيرهم، حتى أكلوا الميتة من شدة الجهد والبلاء، وكان بينهم وبين ابن مهدي اثنين وسبعين زحفا، يقتل في كل زحف من عسكره كما يقتل منهم، واستنجد أهل زبيد بالإمام أحمد بن سليمان الهدوي صاحب صعدة، وشرطوا له أن يملكوه، فقال لهم الشريف: إن قتلتم مولاكم فاتكا .. نصرتكم على عدوكم، فوثب عبيد فاتك بن منصور على مولاهم، فقتلوه في سنة ثلاث وخمسين كما تقدم (٢)، فأقام الشريف بزبيد ستة أيام، ثم رجع إلى بلده، وعجز عن نصرتهم، فاشتد الحصار، وضاق عليهم الأمر، وكثرت جيوش ابن مهدي، فأحاطوا بالمدينة من كل جانب حتى دخلها قهرا، وذلك في يوم الجمعة رابع عشر رجب من السنة المذكورة، فأقام بها بقية رجب وشعبان ورمضان، وتوفي سادس شهر شوال من سنة أربع وخمسين وخمس مائة، ودفن في الموضع المعروف بالمشهد، وكان قد عينه لولده، وأمره أن يجعله جامعا نظيرا لما فعلته الحرة بنت أحمد الصليحية بذي جبلة، ففعل ابنه جميع


(١) بياض في الأصول، والزيادة من «طراز أعلام الزمن» (٢/ ٣٦٢).
(٢) انظر (٤/ ١٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>