للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: القائل ذلك سلمة بن سلامة الأنصاري، ذكر ذلك ابن الصارم في تفسيره الكبير «الإبريز»، والله أعلم.

وعن البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم .. انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول:

أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب

قال: فما رئي في الناس يومئذ أشدّ منه، فلما فرّ المسلمون .. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للعباس وكان صيّتا: «أي عباس؛ ناد أصحاب السّمرة» (١) فقلت بأعلى صوتي، قال: فو الله؛ لكأنّ عطفتهم عليّ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك، فجعل الرجل منهم يثني بعيره فلا يقدر عليه، فيقتحم عنه ويؤم الصوت، حتى اجتمع عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم مائة، وقيل: ألف، فاستعرضوا الناس، وساروا قدما حتى فتح الله عليهم، فنظر صلّى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال: «هذا حين حمي الوطيس»، ثم أخذ صلّى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهنّ وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربّ محمد»، قال: فو الله؛ ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى أحدهم كليلا وأمرهم مدبرا (٢).

فلما انهزمت هوازن .. استحرّ القتل في ثقيف في بني مالك، فقتل منهم تحت رايتهم سبعون رجلا، وتفرّق المشركون في الهزيمة، فلحق عوف بن مالك في آخرين بالطائف، وتركوا أموالهم وأولادهم، واحتبس كثير منهم بأوطاس على أموالهم، وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله صلّى الله عليه وسلم من سلك نحو نخلة، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع السّلمي دريد بن الصمة وهو في شجار له (٣)، فأناخ به ثم ضربه، فلم يغن شيئا، فقال له دريد: بئس ما سلّحتك [أمّك]، خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل واضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ؛ فإني كنت كذلك أضرب


(١) السمرة: الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان يوم الحديبية، وأراد أن يذكرهم ما بايعوا عليه يومئذ.
(٢) حديث البراء أخرجه البخاري مختصرا (٢٨٦٤)، وهو عند مسلم (١٧٧٥)، وابن حبان (٧٠٤٩)، وأحمد (١/ ٢٠٧) وغيرهم بطوله، غير قوله: (فجعل الرجل منهم يثني ... ) إلى قوله: (حتى فتح الله عليهم) .. فهو عند الطبري في «تاريخه» (٣/ ٧٥)، وانظر «ابن هشام» (٤/ ٤٤٤).
(٣) الشجار: مركب مكشوف دون الهودج.

<<  <  ج: ص:  >  >>