للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فتوبوا إلى ربكم من نكثكم، ولا تعاودوا من فعل مثل هذا فيضيق عنه العفو، ثم أمر بإحراق الصناديق ولم يفتحها (١).

وفيها: بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل بواسط، وأقام بها بضعة عشر يوما، وقام أبوها الحسن بن سهل أمير المأمون بمصالح الجيش جميعه تلك الأيام، وغرم خمسين ألف ألف درهم، وكان العسكر خلقا لا يحصى، فلم يكن فيهم من اشترى لنفسه ولا لدوابه حتى على الحمالين والمكارية والملاحين، وكل من حضر في ذلك العسكر، يقال: بلغ غرم الحسن بن سهل في ذلك خمسين ألف ألف درهم، وكان عرس لم يسمع بمثله في الدنيا، نثر فيه على الهاشميين والقواد والوجوه والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع، وأسماء جوائز، ودواب وغير ذلك، وكل من وقع في حجره شيء منها ملك ما هو مكتوب فيها من هذه المذكورات من ضيعة أو غيرها، ثم نثر على عموم الناس بعد ذلك الدراهم والدنانير، ونوافج المسك، وبيض العنبر، وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما جلس عليه .. نثرت على قدميه لآلئ كثيرة، فلما رأى تساقط اللآلى المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب .. قال: قاتل الله أبا نواس، كأنه شاهد هذه الحالة حيث يقول في صفة الخمرة والحباب الذي يعلوها عند المزاج: [من البسيط]

كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب

وقد غلّط النحويون أبا نواس في هذا البيت؛ لذكره (فعلى) أفعل التفضيل من غير إضافة ولا تعريف.

ثم إن المأمون أطلق للحسن بن سهل خراج فارس والأهواز مدة سنة بعد أن وصله بعشرة آلاف ألف درهم، ووهب لولده ألف ألف درهم، وأقطعه الصلح، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا، ومما يستطرف فيه قول محمد بن حازم: [من مجزوء المديد]

بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن

يا بن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من

فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون .. قال: والله؛ ما ندري خيرا أراد أم شرا.

ودخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله، فلما جلس .. نثرت عليه خدمها ألف درة كانت في طينة ذهب، وفي المجلس بنات الملوك من أخوات المأمون وعماته


(١) «تاريخ الطبري» (٨/ ٦٠٣)، و «المنتظم» (٦/ ١٩٩)، و «الكامل في التاريخ» (٥/ ٥٤١).

<<  <  ج: ص:  >  >>