للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بيد النصارى، وظهور محاكم التفتيش هرب أكثر السفارديم إلى داخل أوروبا أو إلى أجزاء من تركيا الحالية، أو إلى شمال أفريقيا ومصر وغيرها، ولأسباب كثيرة من بينها حاجة ملوك أوروبا للمال أُعيد الاعتبار لبعض اليهود لقدرتهم في تحصيل المال.

وقد حمل الهاربون من الأندلس إلى داخل أوروبا ثروة علمية حصلوها من عيشهم داخل الحضارة الإِسلامية، وثروة مالية جمعوها من حاضرة الأندلس، وبهاتين الثروتين أسس اليهود قاعدة تغلغلهم في المجتمعات الأوروبية (١). وبدأت عندها أوروبا النصرانية تتعرف بصورة أوضح على اليهود مع العلم بأن الاحتكاك بين الديانتين قديم، ويكفي أن نتذكر بأن النصرانية الموجودة في أوروبا يعود أمرها إلى صياغة "بولس" اليهودي الذي تحول كما يزعم إلى النصرانية وكوّن صورة جديدة للنصرانية قبلها فيما بعد القادة الدينيون للنصرانية (٢).

ظهر اليهود على السطح الأوروبي في مرحلة المخاض الأوروبي العسير، الذي انتهى بحركة الإصلاح الديني -وهو في الحقيقة محاولة فقط لإصلاح طغيان الكنيسة، أما الدين فلم تُصلحه تلك الحركة- وقد تأثر اليهود بهذه الحركة أيضًا، فظهرت حركة إصلاح يهودية مشابهة لتلك النصرانية (٣)، وبدأت بعدها تلك الجماعات اليهودية تنخرط في المجتمع الأوروبي، ولم تتغير الصفات المعهودة عنهم من التعالي على الآخرين كونهم يرون أنفسهم شعب الله المختار، ومن انهماكهم في جمع المال وحرصهم على المادة واستحلال استغلال الشعوب المخالفة لهم مما جعلهم مبغضين في المجتمعات التي يعيشون فيها، إلا أن المال الذي بين أيديهم قد جذب الناس إليهم. وقد كان هذا من بين أهم الأسباب للنكبات التي تحلّ بهم ما بين فترة وأخرى (٤).

في وضع كهذا فلا يتصور أن يكون لليهود أثر ظاهر في حركة المجتمع


(١) انظر: الصهيونية المسيحية، محمَّد السماك ص ٣٣.
(٢) انظر: المسيحية، د. أحمد شلبي ص ١١١ وما بعدها ولاسيّما ص ١٢٩، وانظر: بولس وتحريف المسيحية، هيم ماكبي، ترجمة سميرة عزمي، وهو من بين الكتب المشهورة في مناقشة هذا الموضوع.
(٣) انظر: مقدمة في علم الاستغراب، د. حسن حنفي ص ١٧٠ - ١٧١.
(٤) انظر مثلًا: الماسونية ذلك العالم المجهول، د. صابر طعيمة ص ٣٤٣ - ٣٤٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>