للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صاحبه على استسهال تأويل الآيات بحجة أن اللفظ من كلام جبريل -عليه السلام- أو من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -. مع أنه حتى على افتراض صحة هذا التطرف جدلًا بأنه من وضع الملك أو النبي فإنهم أعلم بمراد الله سبحانه ولا يتصور منهما وضع لفظ يخالف المعنى؛ لأنه حتى على هذا التصور لا يجوز التساهل في تأويل الآيات. وما يعنينا أن سلامة التصور حول الوحي له أثره في التعامل مع كتاب الله سبحانه، وأن دخول هذه البدعة حول القرآن تؤثر في تصور أصحابها عن حقائق القرآن.

وأما فهمه عن الطبيعة فقد فهمها بحسب التصور العلماني اللاديني السائد في الفكر الفلسفي والعلمي في أوروبا القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، عصر انتفاش المذاهب المادية والوضعية العلمانية، ومثل هؤلاء كان تصورهم للطبيعة تصورًا مغايرًا لأهل الدين، فقد تألهت عند بعضهم ووُظفت في إعطاء الحجج ضد الدين والغيب، فأخذها بهذه الروح مع غياب الوعي النقدي بمثل هذا المجال، فأخذها بنفس "المعنى الذي استعمله علماء أوروبا في القرن التاسع عشر للميلاد، نظام كوني مغلق يخضع لقوانين عمياء ليس فيها أيّ مجال للخرق أو الاستثناء" (١)، وليس في القرآن -بحسب كلامه- ما يخالف هذه الطبيعة المتصورة المنقولة عن أوروبا ومفكريها في القرن التاسع عشر (٢).

كان افتتان أحمد خان بالحضارة الغربية كبيرًا، ودعوته لأخذ علومها وفكرها لا يحدّه حدّ، ولكن آثار انزلاقه فيما ينفع ويضرّ دون تفريق، جعله ينظر أيضًا للوجود والدين والغيب والكون والحياة من خلال المنظور الحضاري الغربي العلماني، أصبحت الطبيعة مثلًا هي جوهر الوجود، ولأجلها قام بعملية تأويل واسعة لا تختلف كثيرًا عن مواقف الباطنية القديمة.

ومن باب التمثيل على تضخم مفهوم الطبيعة عنده واتساع دائرة التأويل معه، نجده ينكر "المعجزات" لما يجده فيها من تغيير لقوانين الطبيعة، فيجعل بعضها رؤيا منام للأنبياء لتتماشى مع قوانين الطبيعة مثل قصة إبراهيم -عليه السلام- مع


(١) مفهوم تجديد الدين، بسطامي ص ١٢٤، وانظر حول مفهوم الطبيعة: تيارات الفكر الفلسفي. . . .، أندريه كريسون ص ١٩١ وما بعدها، ترجمة نهاد رضا.
(٢) انظر كلام أبو الحسن الندوي في الشاهد السابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>