للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

و (المناهج الإسلاميَّة المختلفة ترتكز على قاعدة إيمانية، تمد جذورها إلى أعماق الحياة الإنسانية جميعها، تتغلغل في العقيدة، وتسري في الأخلاق، وتختلط بالمادة، وتظهر في شؤون الحياة، ولا ريب أن المجتمع السلم له غاية في الحياة، كما له مثل وقيم وأخلاق ومقاييس في المجتمع، وأهداف خاصَّة، ومزاج نفسي منبعث من عقائده وموروثاته، كما أنَّه ينظر إلى كل شيء بمنظار معين، ينظر إلى الإنسان برؤية وينظر إلى الحيوان برؤية أخرى، وإلى الجماد بغير ذلك، ثمَّ يركز على الإنسان، في حياته وسلوكه وفي غايته، وفي هدفه، فيحرر طاقاته كلها فطريَّة وعمليَّة، من الظنون والأوهام والخرافات والأهواء، كما يخلصه من الجهل والعبوديَّة لغير اللَّه، ومن سلطان الاستبداد والطغيان والشهوات، ثُمَّ وجه الإسلام الفكر البشري إلى ما ينفعه، وصرفه عما يهلكه ويبدد طاقاته بغير نفع أو فائدة، أبعده عن البحث وراء الطبيعة (عالم الغيب) وقدَّم له منهجًا كاملًا يرضي أشواقه النفسية، وحاجاته الروحية، وذلك حتى يفرغ لمهمته في بناء الحياة، وتعمير الكون، وتحقيق العدل والإخاء الإنساني) (١).

وقد اصطبغت مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في سائر تاريخها، ومجمل حضارتها بهذه السمات، وكانت ثمارًا يانعة لمقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من عقيدة صافية نقية ترتكز على التوحيد الخالص والإيمان العميق باللَّه وأسمائه وصفاته وفقًا لما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ربه، ومن شريعة غراء منبثقة عن تلك العقيدة ومماثلة لها في إخلاص التوحيد والعبادة للَّه، وما اتصف به تميُّز الأُمَّة من خصائص كثيرة من أبرزها ربانية المصدر، وعالميَّة الرسالة، ووسطية المنهج، إلى جانب فاعليتها الحضاريَّة الخيِّرَة، وما يتصل بذلك من أهداف يأتي في مقدمتها تحقيق العبودية للَّه، وتحقيق


(١) المرجع السابق نفسه: ص ٢٥٠، ٢٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>