للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من عقائد العصرانية]

قدم سيد خان منهجًا متكاملًا في العقائد الإسلامية، اهتمت به الدراسات الإسلامية المعاصرة وبخاصة المستشرقون (١) وربما كان سيد خان هو الوحيد من بين مفكري العصرانية المسلمين الذي وجد الجرأة للإفصاح عن آرائه في هذا المجال الذي هو من أكثر المجالات إثارة لمشاعر المسلمين، ولا يدانيه في ذلك إلا محمد أسد، أما بقية مفكري العصرانية فقد قصروا أنفسهم على مجال التشريع وسكتوا عن الخوض في مجال العقائد. وليس من الميسور هنا تقديم دراسة متكاملة لمنهج سيد خان العقائدي أو لآراء محمد أسد في هذا الباب، ولكن أثناء عرض فكرهما كنا قد ألممنا ببعض آرائهما، ونحب هنا أن نمحص تلك الآراء ونتناولها بالترتيب التالي:

١ - مما لا شك فيه أن أسماء الله سبحانه وصفاته من أمور الغيب التي لا يعلم حقيقة كنهها وكيفيتها إلا الله -عز وجل-، ومن هذه الأسماء ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، ربما لأن العقل البشري عاجز عن فهمه؛ ولكن الأسماء والصفات التي عرف الله بها نفسه إلى خلقه في القرآن والسُّنَّة، فلا شك أن في مقدور البشر إدراك مدلولاتها، ويستطيع العقل البشري أن يحيط بمعانيها، وإن كان لا يدرك كيفيتها. فالعقل البشري يفهم أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، بصير حقيقة، سميع حقيقة، متكلم حقيقة، وهكذا سائر الأسماء والصفات، وإن كنا لا نستطيع أن ندرك طبيعة وكيفية حياته وعلمه وبصره وسمعه وكلامه وجميع صفاته. ولهذا قال أبو عمر بن عبد البر (٢): "أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة" (٣).

وقد التبس على محمد أسد وجه الصواب في هذه المسألة، فظن أن البشر


(١) انظر على سبيل المثال: Troll, C.W, sayyed Ahmed Khan A reinterpretaion of Muslim Theology, New Delehi, ١٩٧٨.
(٢) من مشاهير أئمة الحديث والفقه بالمغرب. توفي عام ٤٦٣ هـ.
(٣) "فتاوى ابن تيمية" ٥/ ١٩٨.